امي طردت الممرضة

امي طردت الممرضة

لمحة نيوز


الست المشلولة اللي مابتملكش في الدنيا دي غيرك. قبلت يدها وقلت لها بدموع صادقة عمرى ما هسيبك يا ماما.. إنتِ أمي اللي عرفتها واللي ربتني، والسر ده مش هيغير حاجة بيننا، بس أنا لازم أعرف أنا مين.
الجزء السابع رحلة كشف المستور
في الأيام التالية، بدأت حالة أمي تستقر ببطء، وكأن اعترافها بالسر قد أزاح عن قلبها جبلاً من الهموم كاد يقتلها. شريف لم يغادرنا؛ عاد إلى الغرفة بعد أن اعتذرت له بدموع وناديت عليه ليكون معنا. صار شريف هو درعنا وحارسنا، ومظهره الذي كان يرعبني في السابق أصبح يمثل لي قمة الأمان والوفاء. اتفقت مع شريف أن يسير معي في رحلة البحث عن أهلي الحقيقيين، مستعينين بتلك الورقة القديمة التي استخرجتها من تحت بلاطة الدولاب كما وصفت لي أمي.
كان مكتوباً في الورقة مستشفى مبرة طنطا 14 نوفمبر 1994 طفلة السيد عبد العزيز. ركبت خلف شريف على موتوسيكله الضخم لأول مرة، وانطلقنا عبر الطريق الزراعي نحو مدينة طنطا. كانت الرياح تصفع وجهي، لكني شعرت بالحرية، شعرت أنني أمزق كفن الأكاذيب وأتحرك نحو الحقيقة العارية مهما كانت مؤلمة. وصلنا إلى المستشفى القديم، ودخلنا إلى قسم الأرشيف بعد محاولات مضنية وإقناع الموظفين بمساعدتنا بسبب إنسانية الموقف وبطاقة المحاسبة الخاصة بي التي توحي بالرسمية.
قضينا ساعات طوال بين الملفات الصفراء المغبرة، وشريف يساعدني بيديه الضخمتين المغطاة بالتاتوهات في تقليب الدفاتر العتيقة. وفجأة، عثرنا على السجل الخاص بيوم 14 نوفمبر 1994. كانت هناك خانة مكتوب فيها بخط أحمر عريض محضر رقم 4322 إداري اختطاف طفلة حديثة الولادة من غرف الرعاية الطبية الوالد المهندس سعيد عبد العزيز. شعر جسدي كله بالقشعريرة؛

أنا لست سارة.. أنا تلك الطفلة المفقودة منذ اثني وثلاثين عاماً! وتحت الاسم، كان هناك عنوان قديم في أحد أحياء القاهرة الراقية.
الجزء الثامن طرقات على باب الماضي
عدنا إلى القاهرة والقلب يدق كطبول الحرب. توجهت أنا وشريف مباشرة إلى العنوان المكتوب في سجلات المستشفى. كان منزلاً أنيقاً يحيط به حديقة صغيرة مليئة بأشجار الياسمين، يبدو عليه الوقار والهدوء الطاغي. وقفت أمام الباب الخارجي، وترددت يدي في الضغط على الجرس. نظر إليّ شريف وقال بنبرة مشجعة إنتِ وصلتي لحد هنا يا سارة.. لازم تعرفي النهاية. أنا معاكي ومش هسيبك.
ضغطت على الجرس. وبعد لحظات، فتح الباب رجل عجوز، في أوائل السبعينيات من عمره، ذو شعر أبيض كثيف وعينين تحملان حزناً نبيلاً وعميقاً.. نظرت إلى عينيه، وتجمدت مكانها؛ كانت عيناه تشبهان عيني تماماً في الشكل واللون والبريق! إنه المهندس سعيد عبد العزيز.. أبي البيولوجي. نظر إليّ بدهشة، ثم تطلعت عيناه إلى ملامح وجهي، وسقط كوب الشاي الذي كان بيده ليتحطم على الأرض. تراجع خطوتين وهو يرتجف ويقول بصوت متهدج نادية؟ لا.. نادية ماتت.. إنتِ مين؟ إنتِ تشبهي مراتي الله يرحمها لما كانت في سنك بالظبط!.
انفجرت في البكاء وقلت بصوت مخنوق أنا الطفلة اللي اتسرقت من مستشفى طنطا يوم 14 نوفمبر 1994.. أنا بنتك يا فندم. انهار الرجل العجوز باكياً، بعد خطفك بسنتين، وأنا عشت بطول الطول ده مستني المعجزة!. كان مشهداً يبكي الصخر، وشريف يقف بعيداً يمسح دموعه بيده، يشهد على ولادة حياة جديدة من رحم حادثة قطار تسبب فيها ذات يوم.
الجزء التاسع التئام الشمل الملائكي
قضيت ساعات طويلة في بيت أبي الحقيقي، أروي له تفاصيل حياتي، وعرفني على إخوتي
الأصغر مني الذين ولدوا بعد سنوات من الحادثة والذين جاءوا مسرعين بعد اتصال أبي بهم. كانت الفرحة لا تسع البيت، لكن قلبي كان ما زال م وتحملت الشلل من أجلي. نظرت إلى أبي وقلت له بصدق يا بابا.. أنا فرحانة إني لقيتك، لكن الست اللي ربتني بتموت في المستشفى دلوقتي. هي مكانتش شريكة في الجريمة، هي كانت ضحية زينا تماماً، وضحت بحياتها عشان تحميني. أنا لازم أرجع لها.
نظر إليّ أبي باحترام وتقدير كبيرين وقال المرأة اللي ربتك وحافظت عليكي وطلعتك إنسانة ناجحة ومحترمة بالشكل ده، هي أمك ولها كل الحق عليا وعليكي. خدينا ليها يا بنتي، أنا عايز أشكرها بنفسي وأقولها إني مسامح في كل السنين اللي فاتت لأنها حافظت على أمانتي. ركبنا جميعاً السيارات، وشريف يتقدمنا بموتوسيكله كأنه قائد موكب النصر والأمل، وتوجهنا إلى المستشفى.
دخلنا إلى غرفة أمي. كانت مستيقظة، وعندما رأتني أدخل ومعي رجل عجوز يشبهني تماماً، عرفت فوراً من يكون. تراجعت بخوف وخجل وحاولت تغطية وجهها بيدها، لكن أبي البيولوجي تقدم نحو سريرها بوقار، وجلس على ركبتيه بجانب السرير، وأمسك بيدها وقال بنبرة مليئة بالدموع شكراً ليكي.. شكراً ليكي إنك ربيتي بنتي وحافظتي عليها وخليتيها هانم. أنا مش زعلان منكِ، إنتِ كنتِ ملاك حارس ليها في الظلام. ربنا يشفيكي ويعافيكي. بكت أمي بحرقة شديدة، وكانت تلك المرة الأولى التي أراها تبكي دموع فرح وراحة، وانزاح عنها كابوس الذنب الذي رافقها ل 12 سنة كاملة على سرير المرض.
الجزء العاشر فجر الحقيقة والولادة الجديدة
بعد مرور ستة أشهر على تلك الأحداث العاصفة، كانت حياتنا قد استقرت على نحو لم أكن لأحلم به في أكثر أيامي تفاؤلاً. أمي تماثلت للشفاء وعادت
إلى البيت، لكن هذه المرة لم تكن وحدها؛ أصبح أبي البيولوجي وإخوتي يزورونها بانتظام، وتحول بيتنا الصغير إلى ملتقى لعائلتين جمعتهما الأقدار بطريقة إعجازية. أما ميرفت الممرضة، فقد اختفت تماماً بعد أن عرفت أن الحقيقة انكشفت ولم يعد لها مكان للابتزاز أو الفتنة.
وفي هذا المساء الخريفي الدافئ، كنا نتحلق جميعاً في حديقة البيت حول طاولة طعام كبيرة تملؤها الضحكات والأحاديث الطيبة. كنت أجلس بجانب أمي التي ربتني، وعن يميني أبي الحقيقي، وفي نهاية الطاولة كان يجلس شريف، الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من عائلتنا؛ لم يعد غريباً ولا مرعباً، بل صار أخي وصديقي والرجل الذي أثق فيه أكثر من أي شخص آخر في العالم. كان يرتدي قميصاً هادئاً يخفي معظم تاتوهاته، وضحكته العميقة تمتد لتملأ المكان بالدفيء.
نظرت إلى شريف وقلت له بصوت مسموع عارف يا شريف.. أنا زمان كنت بكره الموتوسيكل بتاعك وتاتوهاتك وبشوفك بلطجي، لكن النهارده أنا بشوف فيهم رمز لأجمل حاجة حصلت في حياتي. ابتسم شريف ونكس رأسه بخجل، بينما ضمتني أمي إلى صدرها وقالت بنبرة مليئة باليقين ربنا مبيعملش حاجة غلط يا سارة.. شريف جه في الليلة دي عشان يوقف القطر في الوقت المناسب ويسيبك عايشة، وجالي من شهرين عشان يخليني أقول الحقيقة قبل ما أموت، وعشان يرجعك لحضن أبوكي. حياتنا مكنتش كذبة.. حياتنا كانت رحلة طويلة وصعبة عشان نوصل للّحظة دي من الصدق والنور.
نظرت إلى السماء الصافية، وشعرت أن روحي قد ولدت من جديد؛ لم أعد خائفة من الماضي، ولم أعد أعيش في عتمة الأسرار، فالحقيقة مهما كانت قاسية ومخيفة في البداية، هي الفجر الوحيد الذي يمكنه تطهير القلوب وبناء الحياة على أرض صلبة من الحب والحرية
والسلام.

 

تم نسخ الرابط