امي طردت الممرضة

امي طردت الممرضة

لمحة نيوز


والدتك خلتني أوعدها على المصحف إني ما أقولش حاجة عشان تحميكي... بس بعد ما شفتها بتموت قدامي الليلة دي، ماقدرتش أفضل ساكت وأسيبك عايشة في العتمة.
حسيت قلبي بينقبض بشدة، وبرودة غريبة تسري في أطرافي. وسألته بصوت مرتجف إيه السر اللي أمي كانت مخبياه طول السنين دي؟ وإنت مين أصلاً؟، فرد بصوت هادي يحمل طعم الرماد السر يا سارة... إن حياتك كلها، واسمك، وعيلتك، وال 12 سنة اللي أمك قضتهم مشلولة على السرير... كل حاجة كانت مبنية على كذبة كبيرة أوي.
الجزء الرابع فتح دفاتر الماضي
تراجعت خطوة إلى الوراء، وأسندت ظهري إلى الجدار الزجاجي لباب المستشفى. شعرت فجأة أن الهواء أصبح ثقيلاً ولا يدخل إلى رئتي. نظرت إلى شريف، هذا الرجل الذي كنت أظنه بلطجياً خارجاً عن القانون، ورأيت في عينيه صدقاً مرعباً جعلني أرتجف. قلت له بصوت واهن كذبة؟ كذبة إزاي؟ انطق يا شريف، متلعبش بأعصابي!.
أشار شريف بيده نحو مقاعد خشبية قريبة في حديقة المستشفى الخارجية، تحت مظلة تحمي من المطر. مشينا بصمت، وجلسنا. خلع جاكيته الجلدي الثقيل ووضعه على كتفي لأنني كنت أنتفض من البرد، ثم بدأ يتحدث وعيناه مثبتتان على أضواء المدينة البعيدة من 12 سنة يا سارة، أنا مكنتش راكب موتوسيكلات وبتاتوهات بالشكل ده. كنت شاب عندي 24 سنة، بشتغل سواق قطار بضائع.. نعم، أنا كنت السواق المساعد في القطار اللي خبط العربية اللي كانت راكباها والدتك.
شهقت بصوت عالٍ ووضعت يدي على فمي. الحادثة! الحادثة التي غيرت مجرى حياتنا وجعلت أمي مشلولة! تابع شريف والدموع تنساب على لحيته الكثيفة في الليلة دي، الحادثة مكانتش قضاء وقدر زي ما اتقال في المحاضر والجرائد. والدتك مكانتش بتعدي

المزلقان بالصدفة والعربية عطلت بيها. الحقيقة إن والدتك كانت بتحاول تنتحر.. كانت عايزة تموت وتاخدك معاها في العربية، لأنها اكتشفت في نفس اليوم مصيبة دمرت حياتها.
دارت الدنيا بي، وشعرت برغبة في القيء. أمي؟ أمي الحنونة الهادئة حاولت الانتحار وقتلي؟ صحت فيه بغضب ويأس أنت كذاب! أمي بتحبني، أمي عاشت طول عمرها بتضحي عشاني! إزاي تقول عليها كدة؟. نظر إليّ بشفقة وقال اسمعيني للآخر يا سارة. والدتك في اليوم ده عرفت إن جوزها الراجل اللي إنتِ فاكرة إنه باباكي واللي مات في الحادثة دي مكانش راجل شريف. الراجل ده كان شغال في شبكة تهريب وتجارة أطفال، وإنتِ مكانتِش بنته ولا بنت والدتك.. إنتِ طفلة هو سرقها من مستشفى وهي مولودة عشان يبيعها، ولما والدتك عرفت بالصدفة وصدمتها كانت فوق الاحتمال، أخدت العربية واخدتك معاها وهربت، ولما حست إن الشرطة بتطارد جوزها وإن حياتها انتهت، وقفت بالعربية على شريط القطر.
الجزء الخامس ليلة الاصطدام المروع
سقطت أمامي كل الحصون التي بنيتها طوال حياتي. عائلتي، اسمي، أبي الذي كنت أضع صورته في برواز ذهبي وأترحم عليه كل ليلة.. كل هذا زيف؟ أغمضت عيني وجسدي يرتجف، بينما صوت شريف يستمر في سرد الكابوس أنا كنت واقف مع السواق الرئيسي، وشوفنا العربية واقفة. ضربنا الفرامل بكل قوتنا، لكن قطار البضائع مبيقفش في ثواني. القطر خبط العربية بقوة. جوز والدتك، اللي كان بيطاردها بعربيته ونزل عشان يمنعها من فضح السر، كان واقف جنب الشريط ومات فوراً تحت العجلات. أما والدتك، فالضربة جات في جانبها وجعلتها مشلولة طول العمر. وإنتِ.. إنتِ كنتِ طفلة في الكرسي الخلفي، والقدر أنقذك ومحصلكيش غير خدوش بسيطة.
سألته
والدموع تعمي عيني وإنت.. إيه علاقتك بكل ده دلوقتي؟ ليه جيت بعد 12 سنة؟.
تنهد شريف وقال بعد الحادثة، أنا اتفصلت من الشغل بسبب التحقيقات، رغم إننا مكانش لينا ذنب. حياتي اتدمرت، ودخلت في حالة اكتئاب، وعشان أهرب من نظرات الناس غيرت مظهري، عملت التاتوهات دي وركبت الموتوسيكلات وانضممت لجروبات الدراجات النارية عشان أحس بإني حر ومحدش يعرفني. لكن ضميري مكنش مرتاح. كنت دايماً بسأل عن الست اللي اتسببت في شللها. ومن شهرين، قررت أزورها في البيت عشان أطلب منها السماح.. عشان أقول لها إني أسف إني مكنتش أسرع في شد الفرامل.
تابع وهو يمسح دموعه لما دخلت بيتها بمظهري ده، ميرفت الممرضة اتخضت، لكن والدتك أول ما شافتني عرفتني.. نعم، عرفت عيني السواق اللي كانت بتبص له وهي مستنية الموت على القضبان. طلبت من ميرفت تخرج، وقعدت معايا. وبدل ما تشتمني أو تطردني، بكت وقالت لي أنت اللي أنقذت بنتي سارة.. القطر بتاعك هو اللي وقف في الوقت المناسب ومنع العربية من إنها تتحول لتراب. ومن يومها، طردت ميرفت لأن ميرفت بدأت تفتش في أوراق قديمة في البيت وتعرف حكاية إن سارة متبناة ومش بنتها الشرعية، وخافت إن ميرفت تفضح السر ليكي. والدتك عينتني عشان تحميكي من ميرفت، وعشان تقضي أيامها الأخيرة مع الشخص الوحيد اللي شاركها سر الليلة السودا دي.. الشخص اللي بيشوفها كإنسانة غلطت وتصلي مش كست مريضة وعجوزة وخلاص.
الجزء السادس البحث عن الهوية المفقودة
تركت شريف جالسًا في الحديقة وركضت عائدة إلى داخل المستشفى. لم أكن أرى أمامي، كانت الممرات تدور بي، والوجوه تبدو هلامية وممسوحة الملامح. دخلت إلى غرفة أمي أو الست التي طالما ظننتها أمي. كانت ترقد
هناك، تحت ضوء الأجهزة الخافت، وجهها يشبه الورق الأصفر الجاف، وأنفاسها تصدر حفيفاً واهناً. جلست على الكرسي المجاور لها، وأمسكت بيدها الباردة. نظرت إلى خطوط وجهها، وتذكرت كل حضن، كل سهرة سهرتها بجانبي وأنا مريضة، كل تضحية قدمتها لكي أكمل تعليمي وأصبح محاسبة ناجحة. هل يمكن لكل هذا الحب أن يكون كذبة؟ حتى لو لم أكن ابنتها البيولوجية، هل يغير ذلك من حقيقة أنها أمي؟
وفجأة، فتحت عينيها ببطء. نظرت إليّ، ثم لمحت جاكيت شريف الجلدي المستقر على كتفي، وعرفت فوراً أن السر قد انكسر جدار صمته. نزلت دمعة ثقيلة من طرف عينها، وقالت بصوت أشبه بالهمس شريف حكالك؟. لم أجبها بالكلمات، بل ارتميت على صدرها وبكيت بكاء طفلاً صغيراً تاه في زحام مدينة غريبة. ضمتني بيدها الواهنة التي تتحرك بصعوبة، وقالت وهي تبكي سامحيني يا سارة.. سامحيني يا بنتي. أنا مكنتش أعرف إن جوزي مجرم لحد اليوم ده. لما شوفت الورق والصور وبلاغات الاختطاف في مكتبه، عقلي طار. مكنتش قادرة أستحمل إني عشت سنين بربي طفلة مسروقة من حضن أم تانية بتتعذب كل ليلة. كنت عايزة أموت، ومكنتش قادرة أسيبك ورايا في الدنيا دي مع راجل وحش زيه. لكن لما القطر خبطنا، وشوفتك صاحية وبتعيطي، عرفت إن ربنا عايزك تعيشي.. وعايزني أعيش عشان أحميكي وأعوضك.
سألتها وأنا أرفع رأسي ومين هم أهلي الحقيقيين يا ماما؟ هما فين دلوقتي؟. تنهدت بألم وقالت أنا معرفش يا بنتي. جوزي مات وأخد السر معاه، وكل اللي لقيته كان ورقة صغيرة مكتوب فيها اسم مستشفى في محافظة تانية وتاريخ ولادتك. أنا خبيت الورقة دي في صندوق خشبي صغير تحت بلاطة في دولابي القديم. كنت خايفة أقولك الحقيقة تسبيني.. خايفة تروحي تدوري
عليهم وتنسي
 

تم نسخ الرابط