طفل ينقذ حياة المليونير
الجزء الأول همس الموت في الفجر
ما تركبش العربية دي يا باشا... العربية دي مش هتوصلك الاجتماع، دي هتوصلك للمقابر.
الجملة خرجت من فم يوسف، ابن الخدامة اللي شغالة في البيت بقالها 7 سنين. الولد عنده 10 سنين، واقف لابس يونيفورم المدرسة مكركب، وعينيه مفتوحة على آخرها وجاحظة كأنه شاف شيطان حقيقي واقف ورا البوابة الحديدية للقصر. الحاج إسماعيل وقف مكانه في نص الجنينة الواسعة، جسمه اتجمد كأنه اتحول لتمثال من حجر. هو راجل عنده 58 سنة، صاحب شركة نقل بري عملاقة ليها مخازن وأساطيل تريلات في أكتر من محافظة، راجل عركته الأيام وشاف من الدنيا كتير، وما كانش من السهل أبدًا إن كلمة تهزه أو تخل بوقاره. لكن في الصباح ده بالذات، كلام طفل صغير وبسيط خلّى الدم يتجمد في عروقه تمامًا. المرسيدس السودا الفخمة كانت دايرة قدام مدخل القصر، صوت موتورها الهادي والمنتظم بيملا المكان بالنفوذ والرفاهية، والسواق واقف بكل أدب وهدوء فاتح الباب الخلفي ومستنيه يركب، ورجال الأمن بتوع القصر واقفين في أماكنهم المعتادة عند البوابات. كل حاجة كانت باينة طبيعية ومثالية لأبعد حد، مفيش أي ثغرة توحي بوجود خطر.
بس إسماعيل، بقوة ملاحظته اللي بنى بيها ثروته، لقط تفصيلة واحدة غريبة خلت قلبه ينقبض. سواقه القديم والمخلص عوض، الراجل اللي شغال معاه بقاله 15 سنة، كان عنده طقس غريب عمره ما بيبطله؛ مكنش بيقلع أبدًا إسورة خيط حمرا تافهه عليها ميدالية نحاس صغيرة في إيده اليمين، وكان دايمًا بيقول إنها بركة من ريحة أمه وبتحميه في السفر والترحال. أما الراجل اللي واقف جنب العربية دلوقتي، ببدلة عوض ونفس طوله وبنيته، ماكانش لابس الإسورة دي في إيده. إسماعيل
في اللحظة دي، إسماعيل حس كأن مطرقة حديد خبطته في نص صدره، الأكسجين فجأة اختفى من الجو ومبقاش قادر يتنفس. مراته شيرين، الست اللي عاشت معاه 24 سنة كاملة، شريكة الكفاح والرحلة، الست اللي كان بيأتمنها على ماله وعرضه واسمه، قاعدة في الضلمة بتخطط مع راجل غريب؟ الولد يوسف طلع من جيب بنطلونه موبايل قديم وصغير، شاشته مكسورة مية حتة ومتلزق بشريط لاصق أسود من الجوانب، وضغط على زرار التشغيل. الولد قال وهو بيمد إيده بالموبايل كانوا بيقولوا إنك بتخرج كل يوم الساعة 820 بالدقيقة، وإنك بمجرد ما بتركب بتبقى مركز في الموبايل بتاعك وبتتابع البورصة ومش بتبص لوش السواق أبدًا. وقالوا إن العربية هتعمل حادثة رهيبة في طريق السفر وتخبط في السور الخرساني، وكله هيبان في الآخر إنه حادثة طريق عادية وقضاء وقدر. إسماعيل مكنش عارف ياخد نفسه، ودانه بدأت تصفر وصوت الهوا في الجنينة اتحول لوشيش مرعب.
الولد شغل التسجيل، وفي الأول مكنش
كانت هي... شيرين.
إسماعيل رفع الموبايل ب إيد بتترعش وضغط على زرار الرد، وحاول يظبط نبرة صوته عشان متلقطش أي تغيير، وجاله صوتها الناعم والمصطنع من الناحية التانية حبيبي... السواق واقف برّه وبيقول إنك لسه واقف في الجنينة وبتتكلم مع ابن الشغالة. هتطلع إمتى؟ الاجتماع بتاع مجلس الإدارة مهم ومش عايزة تتأخر عليه، طمني عليك. إسماعيل رفع عينه ببطء ناحية الدور التاني للقصر، وبص للستارة البيضا
الجزء الثاني قناع الغدر
إسماعيل نزل الموبايل من على ودنه وبص للأرض، عقله كان شغال بأقصى سرعة ممكنة كأنه موتور تريلا في مطلع جبل. الأفكار كانت بتخبط في دماغه زي الشظايا؛ 24 سنة جواز، العمر كله، الفلوس والشركات والاسم اللي بناه، كل ده مكنش كفاية ليها؟ كانت عايزة تموته محروق جوه عربيته عشان تاخد كل حاجة وتعيش مع عشيقها أو شريكها في الجريمة؟ إسماعيل التفت للولد يوسف وحط إيده على كتفه براحة وضغط ضغطة خفيفة وقال بصوت واطي جداً يوسف.. تاخد الموبايل ده وتحطه في جيبك، وتدخل عند أمك في المطبخ ومتقولش مخلوق على الأرض باللي سمعته أو عملته، فاهم يا ابني؟ وحياة شقايا لأحميك وأحمي أمك، بس اتمسح دلوقتي وم تظهرش برّه تماماً. الولد هز راسه بسرعة وجرى على طرقة الخدمة واختفى في ثواني.
إسماعيل أخد نفس طويل، وعدل جاكيت بدلته الفخمة، وبخطوات ثقيلة ومحسوبة كأنها خطوات فهد جريح، اتجه نحو المرسيدس السودا. السواق المزيف اللي واخد مكان عوض كان لسه فاتح الباب ونظراته متوترة ومترقبة تحت النضارة السودا اللي لابسها في عز الصبح عشان يخبي ملامحه. إسماعيل مقربش من الباب الخلفي، بل راح وقف قدام السواق مباشرة، وبص في عينيه من ورا النضارة وقال بنبرة هادية بس مرعبة عوض فين يا.. يا ابني؟ السواق ارتبك وبلع ريقه وصوته طلع متقطع عوض تعب مفاجئ بالليل يا باشا، وجاله مغص كلوي حاد ونقلوه المستشفى، وهو اللي كلمني وقالي أجي مكانه فوراً عشان مأخرش معاليك