حكايا كان بيقدملي الشوربة

لمحة نيوز


تمضي ونخلص، مكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكده!
قولتله وده يخليك أوسخ في نظري... إنك كنت عارف إني هموت من الرعب وسيبتهم . وقبل ما ينطق، قفلت السكة في وشه.
بعدها بكام ساعة، وصلي فيديو تاني من الرقم المجهول... كان خناقة متصورة ورا مصنع مهجور بين كريم وشريف، وشريف كان بيضحك بأعلى صوته وبيقول لكريم ما تعمليش فيها الشريف البريء يا مهندس، إنت ناسي نصيبك اللي كنت بتاخده في كل حتة أرض كنا بنقشها؟
والفيديو خلص بجملة مكتوبة على الشاشة هناء مكنتش الضحية الأولى.
وعرفت إن الكابوس ده أكبر مني ومن عيلتي بكتير.
النيابة استدعتني تاني يوم، ورئيس النيابة حط قدامي ملف أزرق مليان أوراق وقال لي إحنا وصلنا لتلات ستات تانيين ليهم علاقة بنفس القضية دي.
همست بصدمة تلاتة؟
قال لي ده اللي حصرناهم لحد دلوقتي... رأفت بيه مكنش حاطط عينه على أرض أهلك بس، ده بقاله سنين بيستغل منصبه ونفوذه عشان يضغط على عائلات عندها أراضي وعقارات غالية... يبدأ بمعاينة ورفض تراخيص، وبعدين تهديد، وبعدين تزوير وإجبار على الإمضاء.
سألته وقلبي واجعني وكريم جوزي... كان معاهم؟
وكيل النيابة سكت ثواني وقال اسمه موجود ومكرر في أكتر من محضر... مش هو الراس المدبرة، بس كان دايماً حاضر وموجود.
حاضر وموجود... الكلمة دي كانت بتدبحني.
كان موجود وأنا بتشال وأترمي في الأوضة... كان موجود وهما بيقفلوا تليفوني... كان موجود وهما بيتعاملوا معايا كأني مشكلة ولازم تخلص.
في نفس اليوم بالليل، طنط ماجدة طلبت تقابلني في كافيه هادي على النيل، وطبعاً رجال المباحث كانوا مراقبين المكان من بعيد.
لما شوفتها مكنتش هي دي الست المنظمة الأنيقة اللي عرفتها؛ إيديها كانت بترعش، ووشها كان شاحب وميت من الخوف.
قالت لي بصوت مكسور أنا اللي كنت ببعتلك الفيديوهات والرسائل من الأرقام المجهولة.
فضلت ساكتة ومستنية تكمل.
قالت ودموعها نازلة من أول مرة

دختي فيها وغيبتي عن الوعي، قلبي حس إن فيه حاجة غلط... فتشت في لابتوب رأفت ولقيت بلاوي ومصايب ميتسكتش عليها.
قولتلها بقسوة ولما إنتي عارفة... سيبتيني أروح معاهم تاني وتالت ليه؟
بكت بحرقة وقالت كنت خايفة منه... رأفت ميرحمش، كان ممكن يقتلني.
رديت عليها وأنا كمان كنت خايفة... بس واجهت.
طلعت فلاشة USB من شنطتها وحطتها قدامي دي عليها كل الأسامي، التواريخ، العقود المأخوذة بالإكراه، وكل الأدلة اللي تدفن رأفت واللي معاه... كان المفروض أعمل كده من زمان.
أخدت الفلاشة وقمت وقولت لها فعلاً... كان المفروض من زمان.
بصت لي وقالت بهمس أنا مش بطلب منك تسامحي كريم ابني... أنا بطلب منك متسامحيهوش... عشان يستاهل.
القضية كبرت وبقت قضية رأي عام، رأفت بيه ومدحت اتسجنوا، وشريف هرب كام يوم وبعدين ظهر تاني في منطقة العشوائيات وكان بيطلب فلوس عشان يهرب برة البلد.
كريم كلمني في التليفون وصوته متبهدل هناء... شريف معاه هارد ديسك تاني عليه فيديوهات تانية لضحايا كتير وبيبتزنا بيه.
الظابط كان سامع المكالمة لأني كنت فاتحة المايك، وسألناه إنت فين يا كريم؟
تردد وقال في المخزن القديم اللي ورا المنطقة الصناعية. وفجأة الصوت قطع بعد صوت رزع وضرب نار.
الشرطة اتحركت فوراً، وأنا صممت أروح معاهم، وركبت في ديل عربية البوكس من ورا.
وصلنا المخزن والدنيا كانت بتمطر بغزارة، وصوت ضرب نار متبادل هز المكان.
الظباط دخلوا المخزن وأنا كنت واقفة ورا عربية شرطة بترعش، لحد ما الصوت هدي وعسكري زعق فيه مصاب هنا يا فندم!
لما سمحوا لي أدخل، شوفت كريم مرمي على الخرسانة وهدومه مليانة دم بعد ما انضرب بالرصاص، وشريف كان متكتف بالكلابشات ورا وبيتف ويزعق إن الكل خانه.
كريم بصلي وصوته بيضيع وهمس إنتي كويسة؟
السؤال ده كسر حاجة جوايا... الراجل اللي شارك في تدميري وتخديري واقف بيموت وبيسألني لو كنت كويسة!
مسكت إيده وقولتله
ماتتكلمش... الإسعاف جاية.
قال بتعب أنا آسف...
قولتله ودموعي بتنزل مفيش حاجة هتتصلح باللي إنت عملته ده يا كريم.
قال مكنتش عارف هصلحها ازاي غير كده.
كريم عاش ومماتش، بس مستقبله وحياته انتهوا تماماً. الهارد ديسك رجع وظهرت منه ضحايا تالتة ورابعة وعائلات كاملة كانت متبهدلة.
بعد أسبوع واحد من الحادثة، رفعت قضايا طلاق وإبراء.
كريم مَضى على ورق الطلاق وهو على سرير المستشفى في السجن، وبصلي وقال إنتي عمرك حبتيني يا هناء؟
بصيت له وقولت بكل صدق آه... حبيتك جداً.
عينه دمعت وقال يعني مكنش كل حاجة في حياتنا كدب.
قولتله لأ مكنش كدب... بس الحب مبيشيلش ذنب الجريمة ولا بيمحي العواقب.
وقبل ما أخرج من الأوضة، قال بصوت مخنوق أنا كنت مفهم نفسي إني طالما ملمستكيش بإيدي ومأذيتكيش بنفسي، يبقى أنا مش مجرم زيهم.
وقفت عند الباب وقولتله ده كان أكبر غلط في حياتك... إنك افتكرت إن سكوتك ومشاركتك في اللعبة بالفرجة ميتحسبش عليك ذنب.
ومرجعتش زُرته تاني أبداً.
المحاكمة بدأت بعد كام شهر، ناس كتير قالت عليا شجاعة وبطلة، وناس تانية من مجتمعنا لامتني وقالت كان لازم تداري على جوزها وبيتها وماتعملش فضايح.
غريب جداً ازاي الناس بتجري تدافع عن الراجل اللي معاه سلطة وفلوس، وبتلوم الست اللي قررت تفضح الجريمة!
رأفت بيه وقف في القفص بكل كبرياء وادعى إن دي مؤامرة وتصفية حسابات عائلية من أهلي.
القاَضي سمح لي أتكلم، فوقفت وقولت بكل قوة وثبات إنت مخسرتش سلطتك بسببي يا رأفت بيه... إنت خسرتها من اليوم اللي افتكرت فيه إن النفوس والخوف بيشتروا بالفلوس. أنا
مهدتش عيلتك... إنت اللي حولت بيتك وعيلتك لتشكيل عصابي.
ولأول مرة، رأفت بيه معرفش ينطق بكلمة واحدة.
المحكمة حكمت على رأفت بيه، ومدحت، وشريف بأحكام سجن مشددة طويلة جداً بتهم التزوير والتخدير والابتزاز. وكريم كمان اتكم عليه بالسجن، ورغم إن عقوبته كانت أخف
بكتير من أبوه، بس الوصمة دي فضلت ملاحقاه وهتفضل معاه طول عمره.
بعد فترة، وصلتني منه رسالة أخيرة من السجن، كتب فيها إن أكبر جريمة عملها في حقي وفي حق نفسه إنه أقنع نفسه إن السكوت موقف محايد، وكتب مكانش سكوت محايد... سكوتي كان الباب المفتوح اللي دخل منه الشر لبيتنا.
شيلت الرسالة دي في صندوق قديم، مش عشان لسه بحبه، بس عشان الجروح والندبات دي لازم تفتكريها عشان متعلمش وتنزف تاني.
بعت شقتي في طنطا، وسيبت المدينة كلها، ونقلت لبيت هادي وصغير في محافظة تانية، بيت قدامه جنينة ورد صغيرة، وبدأت أتعلم بالتدريج ازاي أنام من غير ما أخاف.
في الأول، كنت بجر كرسي تقيل أحطه ورا الباب كل ليلة...
بعدين بقيت بسيب أباجورة صغيرة منورة...
وبعد شهور طويلة، نمت أول مرة 7 ساعات كاملين وصحيت وأنا بعيط من كتر الفرحة والراحة إني بقيت في أمان.
فات سنتين على الحكاية دي...
أنا دلوقتي بشتغل مستشارة مالية مستقلة لحسابي، وبقيت بخصص جزء كبير من وقتي لدعم ومساعدة الستات اللي بيتعرضوا للعنف، أو التهديد، والابتزاز.
أنا مابحكيش قصتي عشان الناس تصعب عليا أو تشفق عليا...
أنا بحكيها عشان أقول إن الخطر مش دايماً بيجي بصوت عالي وبشكل مرعب ومفضوح.
ساعات الخطر بيبقى قاعد معاكِ على نفس الترابيزة، بيغرفلك الشوربة بإيده، وبيقولك يا حبيبتي، وبيفهمك إن العيلة واللمة أهم من أي حاجة.
أنا اتعلمت إن البيوت الكبيرة والقصور مش دايماً بتبقى سكن وأمان.
واتعلمت إن الاسم الكبير والعيلة المحترمة مش معناها أبداً قلب نضيف ونقي.
واتعلمت إن الحب من غير شجاعة ومواقف... بيتحول ل مشاركة في الجريمة.
عشان كده، لو فيه أي حاجة جواكِ، صوت صغير بيقولك إن فيه حاجة غلط... اسمعيله فوراً وثقي في إحساسك.
حتى لو الناس قالوا عليكِ بتأفوري ومجنونة...
حتى لو قالوا إنك تعبانة، وحساسة زيادة عن اللزوم، أو بتهيألك.
ساعات بيبقى إحساسك الداخلي
بتاعك هو الحتة الوحيدة اللي لسه متخدعتش في العالم ده.
النهاية

 

تم نسخ الرابط