روحت أزور أمي وابويا
ألم الخيانة والمرارة التي تركتها فعلة ابنتهما في قلوبهما.
بعد مرور عدة أشهر، وفي أحد أيام العصر المشمسة، كنت أجلس مع أبي في الشرفة.
نفس الشرفة التي كان يقف عليها دائماً ليلوح لي بيده مودعاً بكابه القديم.
كان يبدو أكبر سناً بكثير مما هو عليه...
وبدا وكأن جسده قد ضمر وصار أصغر حجماً من الحزن.
قال لي بصوت خافت مكسور أنا بقالي شهور بسأل نفسي.. احنا غلطنا في إيه معاها يا إيمان؟ احنا قصرنا في حقها في إيه عشان تعمل كده؟
أمسكتُ بيده وقلت له أنت وماما مغلطتوش في أي حاجة يا بابا.. وعمركم ما قصرتوا.
أومأ برأسه ببطء شديد وقال أنا عارف...
ثم أدار وجهه ونظر نحو الشارع وتابع وعيناه مغرورقتان بالدموع بس الوجع الحقيقي والشيء الصعب اللي مش قادر أبلعه.. إنها في الآخر بنتنا.. حتة مننا.
ولم أجد أي إجابة أرد بها عليه.
لأن بعض الجروح في هذه الحياة تظل مفتوحة، ولا توجد كلمات أو إجابات قادرة على مداواتها.
الجزء الثامن النهاية والامتنان
بعد مرور عام كامل على تلك الواقعة، أصبحت صحة والديّ أفضل بكثير بحمد الله.
حركتهما أصبحت أبطأ، وصارا أكثر حذراً في طعامهما وشرابهما وفيمن يدخل بيتهما... لكنهما على قيد
وأصبحتُ حريصة على زيارتهما في كل يوم جمعة بانتظام.
مهما كانت مشاغل العمل وضغوطه...
ومهما كانت الظروف، لم أعد أسمح لأي شيء أن يمنعني عنهما.
في أحد اللقاءات، ناولتني أمي علبة دافئة من شوربة الدجاج التي صنعتها بنفسها.
ضحكتُ من قلبي والدموع تفر من عيني دون إرادة مني وقلت لها لسه برضه مصممة تأكليني وتغذيّني يا ماما؟
ابتسمت وضغطت على يدي بحنان وقالت هفضل أعمل كده طول ما فيا نفس يا بنتي.
في تلك اللحظة، مرت أمامي ذكريات ذلك اليوم المشؤوم كشريط سريع
حبات العنب وهي تتدحرج على الأرض.
أضواء سيارات الإسعاف الزرقاء والحمراء وهي تعكس على جدران الصالة...
ممر المستشفى البارد والمظلم...
كارت الميموري الصغير...
والحقيقة المُرّة التي كشفها.
عائلتنا لم ولن تعود أبداً إلى ما كانت عليه في السابق، فهناك شروخ في القلوب لا يمكن إصلاحها أو ترميمها مهما طال الزمن.
لكن والديّ ما زالا هنا معي.
ما زالا يضحكان...
وما زالا يتشاجران حول نوع الزبدة الغالي والرخيص...
ما زالا يتنفسان ويعيشان في هذه الدنيا.
وبعد أن كنتُ على مسافة خطوة واحدة من خسارتهما إلى الأبد... أصبح وجودهما بجانبي الآن كافياً