روحت أزور أمي وابويا

لمحة نيوز


الأرض.
وبين إصبعين من أصابعه، كان يمسك بكارت ميموري بطاقة ذاكرة صغير جداً.
همس بصوت متحشرج وعينين متسعتين من الصدمة إيمان...
بحملقة وذهول، نظرتُ إلى البطاقة الصغيرة...
ثم نظرتُ إلى وجهه المذعور...
وقبل أن يضغط على زر التشغيل...
وقبل أن أرى بعيني من الذي صعد إلى شرفة والديّ ودخل منزلهما في الليلة التي سبقت العثور عليهما...
عرفتُ في أعماق قلبي أن عائلتنا على وشك أن تنكسر وتتحطم بطريقة لن يملك أي شيء في هذا العالم القدرة على إصلاحها أبداً.
الجزء الخامس مواجهة الحقيقة الصادمة
وضع مصطفى بطاقة الذاكرة الكارت ميموري داخل كمبيوتره المحمول.
كانت دقات قلبي متسارعة وقوية لدرجة أنها أصبحت مؤلمة في صدري.
جلس ضابط المباحث أمامنا على طاولة المطبخ.
ولم ينطق أحد منا بكلمة.
بدأ الفيديو في العرض.
في البداية، لم يكن هناك أي شيء غير عادي أو يثير الشك.
عامل دليفري يمر في الشارع.
جار يسير مع كلبه.
ثم ظهر أبي وهو يخرج لإلقاء أكياس القمامة.
لكن فجأة، تغير الطابع الزمني المكتوب في زاوية الشاشة إلى ليلة اليوم الذي سبق عثوري عليهما.
الساعة كانت 814 مساءً.
ظهرت سيارة تدخل ممر البيت وتصطف أمامه.
عقدتُ حاجبيّ بغير تصديق.
كانت السيارة تبدو مألوفة لي جداً... مألوفة أكثر من اللازم!
انفتح باب السائق.
وترجلت منها كريمان.
أختي!
شعرتُ فجأة وكأن الهواء قد سُحب من رئتيّ وتوقفتُ عن التنفس.
همستُ برعب

لأ.. مش ممكن.
ظل ضابط المباحث صامتاً يراقبني.
صعدت كريمان درجات الشرفة وهي تحمل في يديها حقيبتين من أكياس البقالة.
فتحت لها أمي الباب.
وكانت أمي تبتسم... تبتسم من قلبها فعلاً.
ثم عانقتها بحفاوة.
الفيديو كان بدون صوت، لكنني استطعت قراءة حركة شفتي أمي وهي تنطق باسمها بفرحة
كريمان!
كانت تبدو سعيدة جداً برؤيتها.
واستمر عرض اللقطات.
دخلت كريمان إلى داخل المنزل.
وبعد مرور ساعتين كاملتين، خرجت.
كانت بمفردها.
وكانت الساعة تشير إلى 1027 مساءً.
بدت في الفيديو متوترة للغاية، وتلفتت حولها وتفقدت ما وراء كتفها مرتين بحذر قبل أن تركب سيارتها بسرعة وتنطلق.
انتهى الفيديو وأظلمت الشاشة.
بقيتُ أنا أحملق في الفراغ وأردد بحالة إنكار لأ.. مستحيل.
امتدت يد مصطفى لتمسك بيدي وقال محاولاً التهدئة
ممكن يكون فيه تفسير تاني للموضوع.
لكن نبرة صوته كانت تفتقر إلى أي اقتناع بما يقوله.
أغلق الضابط جهاز الكمبيوتر، وقال بنبرة هادئة ومخيفة
لسه فيه حاجات تانية لازم تشوفوها.
الجزء السادس خيوط المؤامرة والأرقام
شعرت بغثيان يسحق معدتي.
وضع الضابط عدة أوراق على الطاولة أمامي.
كشوفات حسابات بنكية.
عقود ملكية وإثباتات أراضٍ وعقارات.
وأوراق خاصة ببوالص التأمين.
ثم أشار بإصبعه إلى معاملة مالية معينة تمت قبل ستة أشهر.
لقد قام والديّ قبل ستة أشهر بتحديث عقود الميراث وتوزيع التركة.
وكل شيء تم تقسيمه بالتساوي
والعدل بيني وبين كريمان.
مناصفة تماماً.
ولم تكن النسبة 70 إلى 30، ولا حتى 60 إلى 40.
بل النصف بالنصف.
همستُ بدموع محبوسة بس ده طبيعي جداً.. هما طول عمرهم عادلين معانا.
أومأ الضابط برأسه وقال فعلاً.. ده طبيعي.
ثم قلب الصفحة ليظهر ورقة أخرى
لكن قبل الحادثة بثلاث أسابيع، كريمان قدمت طلب رسمي لشركات المحاماة والبنك عشان تاخد نسخ من كل الأوراق وعقود الملكية دي.
ثم قلب صفحة أخرى وتابع
وقبل ما والدك ووالدتك يتنقلوا المستشفى بيومين بس، كريمان قدمت على قرض شخصي ضخم جداً من البنك.. قرض من النوع اللي مستحيل البنك يوافق عليه لعدم وجود ضمانات كافية، إلا في حالة واحدة... لو ثبت إنها هتحصل على إرث أو ثروة كبيرة في وقت قريب.
بدت الغرفة فجأة أكثر برودة وكأننا في صقيع الشتاء.
سألته وصوتي يرتجف أنت عاوز تقول إنها عملت كده عشان الفلوس؟
رد الضابط بحذر احنا لسه متأكدناش من الدافع بنسبة مية في المية.
لكننا جميعاً في تلك الغرفة كنا نعرف تماماً ما الذي يقصده.
وبعد ثلاثة أيام، ظهرت نتائج تقرير الطب الشرعي والمعمل الجنائي.
المادة السامة التي وُجدت في طعام والديّ لم تصل إليهما بالخطأ أو الصدفة.
لقد تم خلطها بعناية وبكميات دقيقة داخل شوربة دجاج بيتيّة... الشوربة التي أحضرها معها أحد أفراد العائلة كهدية.
الشوربة التي أحضرتها كريمان.
عندما أعادت الشرطة استجوابها ومواجهتها، بدأت روايتها تتخبط وتتغير
في كل مرة.
في البداية، أنكرت تماماً أنها زارت البيت في تلك الليلة.
ثم عندما واجهوها بالفيديو، اعترفت بالزيارة لكنها ادعت أنها لم تمكث سوى دقائق معدودة.
لكن الأدلة والوقت المسجل في الكاميرا كذّباها تماماً.
وأخيراً، وأمام حصار الأدلة والوثائق وكارت الميموري، انهارت تماماً.
ولم يكن انهيارها في صورة اعتراف درامي ومثير، أو بصراخ وعويل...
بل انهمرت دموعها فحسب، وبدأت تسوق مبررات وأعذار لا تنتهي.
أعذار واهية عن الديون التي تخنقها...
عن بطاقات الائتمان الفيزا التي عجزت عن سدادها...
عن استثمارات فاشلة وخسائر فادحة دخلت فيها...
عن الضغط الخانق الذي تعيشه... وعن الخوف من الفضيحة والحبس.
وكانت تصرخ باكية وتؤكد أنها لم تكن تنوي قتلهما أبداً!
وإنما كانت تريد فقط إصابتهما بمرض شديد يجعلهما يدخلان المستشفى، ليتأجل توقيع بعض القرارات العقارية والمعاملات الخاصة بالتركة، مما يمنحها وقتاً إضافياً لحل مشاكلها المالية قبل أن يكتشفا ضياع أموالها.
لقد كانت كذبة غبية لا يصدقها عقل، وجعلت الأمور تبدو أكثر بشاعة وسوءاً...
لأن هذا التبرير كان يعني ببساطة أنها قامر وحسب بحياة والدينا من أجل بضعة جنيهات وسداد ديون.
الجزء السابع شرخ لا يلتئم
قضت أمي ما يقرب من شهر كامل في المستشفى لكي تتعافى من أثر السم.
وقضى أبي فترة أطول من ذلك في العناية المركزة وضبط وظائف الجسم.
وعندما عادا أخيراً إلى منزلهما،
لم يعد أي شيء كما كان في السابق.
ولم يكن ذلك بسبب الضعف الجسدي أو المرض...
بل كان بسبب
 

تم نسخ الرابط