في يوم حصل حريق
اللي عيشناه سوا؟ إنتي مصاصة دماء يا ماما.. أنا بتمنى تموتي في العشة اللي إنتي قاعدة فيها دي! وإياكي تفتكري إن ليكي بنت تاني.. إنتي ولا حاجة بالنسبة لي.. إنتي مجرد ست عجوزة وحيدة وغيورة من سعادتي ونظافتي!
سمعت الفويس ده مرة واحدة بس. قلبي اتعصر بس ممسحتوش؛ سيفته وشيلته.. ده كان آخر مسمار في نعش الذنب اللي كنت حاسة بيه ناحيتها!
وقبل جلسة التسوية بأسبوع، وصلي طرد لبيت شيرين.. كان إنذار قضائي من شريف! مكنش بس بيرفض القضية؛ ده كان عامل قضية عكسية عليا بيطالب ب تعويض عن الضرر النفسي والتشهير! وجوه الظرف كان فيه ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيده آخر فرصة ليكي يا كريمة.. اتنزلي عن القضية دي، وإلا هنقول للمحكمة وللناس كلها إنك إنتي اللي ولعتي في بيتك بنفسك عشان تاخدي فلوس التأمين!
أوضة التسوية والمصالحات في مجمع المحاكم كانت أوضة كئيبة، إضاءتها بتخلي الوشوش تبان عيانة وصفرة. ياسمين وشريف قاعدين قصادنا. شريف كان مبهدل، وسحره وكلامه المعسول اختفى وبقى شبه الحيوان المحبوس في قفص وبيحارب. وياسمين مكنتش قادرة تبص في عيني خالص.. عمالة تقشر في المانيكير بتاعها اللي غالباً أنا اللي دافعة تمنه!
شريف خبط على التربيزة وقال بغل إحنا معندناش فلوس يا كريمة! إنتي عارفة كدا كويس! إنتي بتعملي كدا لمجرد إنك ست حرباية وعايزة تخربي بيتنا! عاوزة إيه؟ نموت عشان ترتاحي؟
رديت عليه بكل هدوء وثبات أنا بعمل كدا لأني قعدت 8 سنين بشتري سكوتكم
أستاذ مدحت طلع الدفتر والتقرير.. المليون ونص ... رسائل التهديد.. وفويس ياسمين. وبعدين رما القنبلة الكبيرة في وشهم؛ طلع وثيقة تانية وقال
معانا تقرير المعمل الجنائي وحكم خبير الحرائق.. الحريق حصل بسبب قفلة سلك في بيت صاحبة الملك مكنتش قادرة تعمله صيانة لأنها بتدفع 5000 كل شهر للمتهمين هنا! ومش بس كدا.. معانا كمان كشوفات مصاريف شغل الأستاذ شريف!
المحامي بص ل ياسمين وقالها
تعرفي يا مدام ياسمين.. إن وأنتي أمك بتكنس وتمسح البيوت عشان تدفع لكم الإيجار.. جوزك المحترم كان بيصرف متوسط 15000 في الشهر يعني مبالغ ضخمة على صفقات فاشلة في صالات المراهنات؟ وتعرفي إنه فاتح تلات فيز مشتريات تانية باسمك إنتي ومقفلهم على الآخر ومستلف بيهم؟
رأس ياسمين لفت وبصت ل شريف، ووشها بقى أبيض زي الورقة إيه؟ شريف.. إنت قولتلي إن دي كانت اجتماعات شغل لشركتك!
شريف زعق فيها اسكتي يا ياسمين! هي كدابة! هي عايزة تقوّمنا على بعض وتخرب بيتنا!
قولتلها براحة الكشوفات معايا يا ياسمين.. ومعايا من سنين.. بس مكنتش عاوزة أصدق.. كنت عاوزة أوهم نفسي إن بنتي اتجوزت راجل بجد بيحميها.. وكنت خايفة أقول إني فشلت ك أم!
الأوضة اتقلبت حريقة! ياسمين بقت تصرخ في شريف وتضربه، وشريف بيشتم ويجيب اللوم عليا، والمستشار بيحاول يهدي الوضع.. بس الأقنعة كلها كانت وقعت واتفصحت! أنا
المحامي مدحت قال احنا عندنا عرض تسوية.. موكلتي هتتنازل عن القضية الجنائية ورد الفلوس بشرط واحد المتهمين يوقعوا على إقرار بالحكم، ويمضوا على تعهد بعدم التعرض الفوري والدائم! مش هتكلوها تاني.. مش هتطلبوا منها مليم.. ولو اسمتها بس اتجاب على لسانكم بالسوء أو التشهير، الحكم هيتنفذ فوراً وهيتم الحجز على كل مليم تكسبوه في حياتكم!
ياسمين بصتلي والدموع في عينها، بس لأول مرة، مجاليش أي إحساس إني أمد إيدي وأمسح دموعها. بصيت ليها وعرفت إني مش عارفاها.. الطفلة اللي رسمت الورد ماتت من زمان.. الست اللي قدامي دي واحدة غريبة عني ومجرد صدفة إننا شايلين نفس الدي إن إيه DNA.
قالتلي بصوت مخنوق ماما أرجوكي.. إحنا هنترمى في الشارع.. صاحب الشقة طردنا وقاعدين في لوكاندة معفنة!
قولتلها عارفة.. أنا كمان قعدت على كرسي كافيه طول الليل.. وعارفة يعني إيه ميبقاش ليكي مكان تروحيه. هتتصرفي يا ياسمين.. مش إنتي مهندسة ديكور استشارية حرة؟ وريني بقى هتعيشي إزاي!
مضوا على الورق وخرجوا مكسورين. وشريف وهو ماشي وسايب الأوضة، وطى عليا وهمس فاكرة نفسك كسبتي؟ إنتي لسه ست حثالة عندها 70 سنة ومعندهاش أي حاجة!.. أنا ابتسمت بس ومشيت. هو مكنش يعرف جارتي لقت إيه في وسط أنقاض بيتي المحروق!
أنا نقلت لشقة صغيرة في نفس
اشتغلت في مكتبة الحي هنا. بقضي يومي وسط الكتب والقصص، بساعد الناس تلاقي الكلمات والروايات اللي بيحبوها. باخد مرتب بيكفيني ويفيض، وعندي حساب توفير صغير قوي بس بتاعي أنا.. لصحتي، لراحتي، وسلامي النفسي.
والأسبوع اللي فات، جالي طرد لحد الباب. مكنش عليه اسم الراسل، بس كانت رسالة من جارتي القديمة اللي كانت بتدور عليا. فتحت الطرد ونَفَسي اتكتم..
كانت الرسمة!
أطراف الورقة كانت محروقة وسودة.. والورد المعوج لونه باهت وممسوح من أثر الدخان والزمن.. الإطار الإزاز كان مكسور ومتدمر.. بس الرسمة فضلت عايشة وناجية من
الحريقة وواضحة أجمل مامي في الدنيا.
أخدتها في حضني وعيطت.. بس المرة دي، مكنتش بعيط على بنتي اللي خسرتها.. كنت بعيط على كريمة اللي لقيتها ورجعتلها تاني! كنت بعيط على البنت اللي كان عندها 25 سنة وطحنت نفسها وشقاها لحد ما إيديها نزلت دم، وكنت بقولها خلاص.. جه الوقت اللي ترتاحي فيه.. إنتي عملتي اللي عليكي وأكتر.
أنا دلوقتي عندي 72 سنة. بيتي القديم ضاع.. بس بيتي الحقيقي بقى جوه قلبي وفي دنيتي الجديدة. اتعلمت إن الأمومة معناها تدي عيالك الجذور والجناحات عشان يطيروا، بس مش معناها إنك تسيبيهم يأكلوا لحمك لحد ما تبقي