قبل ما جوزي يموت بدقايق

لمحة نيوز

جوزي مات وهو بيترجاني إني معتّبش برجلي في شاليه العين السخنة أبدًا. 
نفذت وصيته وفضلت صابرة ومطيعة لمدة تلاتة وستين يوم. 
لحد ما المحامي بتاعه سلّمني مفتاح قديم مربوط فيه دلاية على شكل ورده أوركيد
ومعاه جواب أول سطر فيه كان ميرفت حبيبتي، سامحيني على الست اللي عايشة هناك.
جوزي أخد السر معاه لحد ما جثته اتقفلت عليها التربة.

آخر حاجة أحمد شاكر طلبها مني قبل ما يموت مكنتش عن بنتنا..
ولا كانت عن الفلوس..
ولا عن شقتنا اللي في مصر الجديدة اللي عشنا فيها اتنين وعشرين سنة مع بعض.
كان نايم على سرير مستشفى أبيض في القاهرة، وشه باهت وخاطف، شفايفه ناشفة، وعينيه فيها كمية رعب عمري ما شفتها فيه طول حياتي.
مسك إيدي جامد لدرجة إن ضوافره علّمت في كف إيدي ووجعتني.
همس وهو بيطلع النفس بالعافية ميرفت...
قربت منه وأنا بنهار وعياطي مش قادرة أوقفه.
قال لي وصوته بيترعش اوعديني بحاجة واحدة بس.
قلت له أي حاجة.. أوعدك بأي حاجة.
نفسه كان متقطع وهو بيقول إياكي تروحي شاليه العين السخنة.. أبدًا.
أنا سكتّ، وبطّلت عياط من الصدمة.
شاليه إيه؟ شاليه العين السخنة بتاع إيه؟
عينيه املت رعب وهلع مش طبيعي مهما حصل، متروحيش هناك. متسأليش.. وم تفتحيش الباب ده أبدًا.
فضلت مبلمة وباصة له ومش فاهمة حاجة.

أنا وأحمد عشنا عمرنا كله بنشارك بعض في كل صغيرة وكبيرة.
أقساط البنك..
مصاريف المدارس..
الأيام المُرّة والصعبة..
الفرحة الصغيرة اللي كنا بنخلقها..
أول مرة بنتنا آية سخنت فيها وتعبت..
خناقاتنا..
وحتى السكات اللي كان بيدور بينا.
ده أنا حتى كنت بشارك معاها الشاي المُر اللي كان بيعمله بإيديه كل يوم حد الصبح.
لكن عمره.. ولا مرة في حياته.. جاب سيرة إن عنده شاليه في العين السخنة!
أحمد،

إنت بتتكلم عن إيه؟ شاليه إيه ده؟
ضغط على إيدي أكتر وأكتر بكل قوته اللي فاضلة اوعديني يا ميرفت.. أرجوكي.. قبل ما أمشي.
لما يكون الراجل اللي بتحبيه بيموت قدام عينيكي، مش هتقفي تجادليه وتناقشيه.
ساعتها مستعدة تكدبي على الدنيا كلها بس تريحيه.
عشان كده هزيت راسي وقلت له أوعدك.
ملامح وشه هديت وارتاحت أول ما سمع الكلمة.
وبعدها بتلات ساعات بس.. جوزي فارق الحياة.
تاني يوم الصبح كانت جنازته.

وسمعت واحدة من القرايب بتوشوش التانية وتقول يا حبيبتي يا ميرفت، يا عيني عليكي.. بس يلا، عزاها إنه عاش ومات جوز صالح ومحترم.

كنت عايزة أصرخ في وشهم كلهم وأقولهم لأ!

لأن الجوز الصالح والمحترم مش بيموت والرعب مالي عينيه بالمنظر ده!
لمدة شهرين كاملين، كنت عايشة زي الخيال، زي الست الميته في بيتي.
كتب الهندسة بتاعته لسه مرصوصة على الرف زي ما هي.
كوباية الشاي الزرقا بتاعته لسه محطوطة جنب الحوض.
نظارة القراية بتاعته على الكومودينو جنب السرير.
وريحة برفانه لسه لازقة في الجلابية القديمة بتاعته.
بنتنا آية رجعت كليتها في الإسكندرية، وبتعمل نفسها قوية ومستحملة عشان خاطري.
لكن كل يوم بالليل كانت بتتصل بيا.
وكل يوم بالليل، كنا بنفضل نعيط إحنا الاتنين على التليفون من غير ما ننطق بحرف واحد.
لحد ما جه يوم مطير، وتليفون الأرضي رن.
كان الأستاذ كمال ، المحامي بتاعه.

قال لي بنبرة كلها حذر وقلق مدام ميرفت.. جوزك ساب وصية وتعليمات واضحة. وكان منبه عليا أسلّمك حاجة بنفسي بعد وفاته.
قلبي انقبض وحسيت بتقل في صدري.
رحت له مكتبه في وسط البلد، وحط قدامي صندوق خشب صغير.
وجنبه ظرف أصفر.
اسمي كان مكتوب عليه بخط إيد أحمد المحفور في ذاكرتي ميرفت.
ما كتبش المدام..
ولا كتب زوجتي العزيزة..
كتب بس
ميرفت.
فتحت الصندوق، لقيت جواه مفتاح نحاس قديم.
تقيل..
ولونه غامق ومطفي..
ومعاه دلاية صغيرة على شكل وردة أوركيد.
صوابعي اتخدرت ومبقتش حاسة بيها وأنا بمسكه.
سألته المفتاح ده بتاع إيه؟
الأستاذ كمال هرب بعينيه مني ومبصليش يا فندم.. ياريت تقري الجواب الأول.
فتحت الجواب وإيدي بترتعش.
أول سطر فيه كان كفيل إنه يكسر ضهري ويهدني
ميرفت حبيبتي، لو إنتي بتقري الكلام ده دلوقتي، يبقى أنا فشلت في إني أحميكي من الحقيقة...
نفسي اتكتم..
والسطر اللي بعده كان أصعب وألعن
شاليه العين السخنة عمره ما كان فاضي.
رفعت عيني وبصيت للمحامي، وشه كان خالص ودمه هربان من الخوف.
همست له بصوت مش طالع هو فيه إيه هناك؟
بلع ريقه بصعوبة.. وبعدها نطق الجملة الوحيدة اللي خلت جوزي اللي عاش معايا اتنين وعشرين سنة.. يتحول في ثانية لراجل غريب معرفوش
يا مدام.. فيه ست عايشة هناك باسمه.. وبقالها ١١ سنة!
شفايف الأستاذ كمال كانت بترتعش وكأن الكلام اللي بيقوله ده تحول لسم في بقه أيوه يا مدام ميرفت.

بصيت للمفتاح النحاس اللي مرقد في كف إيدي. دلاية الأوركيد كان لونها بنفسجي باهت، ومجرحة من الحروف، بس كانت جميلة بشكل غريب.
أحمد طول عمره كان بيكره الورد، كان دايما يقول إنه بيخلي الأوض شبه المآتم وكأن فيه حد ميت بنعزيه.
سألته مين الست دي؟
المحامي ردش عليا بسرعة، فضل يماطل.
زعقت بصوت أعلى وهزيت الأوضة بقولك مين الست دي؟!
فتح درج مكتبه، وطلع ظرف تاني مقفول بختم، وزقه ناحيتي بصوباعين اتنين بس وهو خايف ده كل اللي هو سمح لي إني أدهولك.. قبل ما تاخدي قرارك إذا كنتي هتروحي هناك ولا لأ.
قبل ما أقرر؟!.. ضحكت ضحكة واحدة خطفت قلبي، وكان صوتها قبيح ويخوف حتى بالنسبة ليا أنا شخصيًا. جوزي مخليني أحلف وأوعده إني
مروحش هناك أبدًا، وبعدين يسيب لي المفتاح بتاع المكان! ده يبقى اسمه قرار إيه ده إن شاء الله؟
الأستاذ كمال نزل عينيه في الأرض وقال بنبرة مكسورة قرار قاسي.. وقاسي جدًا كمان.
قطعت الظرف التاني وفتحته في ساعتها وأنا واقفة مكاني.
جوه الظرف كانت فيه صورة واحدة بس.
صورة لشاليه مبني تحت جبل . وباب أزرق مقفول. وفيه ورد أوركيد بري متسلق على حيطة من الحيطان.
وقدام الباب ده، كان واقف أحمد!
أحمد بتاعي أنا..
بس مكنش أحمد اللي أنا عارفاها وميزاه.
الراجل اللي في الصورة كان أرفع، أصغر في السن، وملامحه أهدى وأحن بشكل مشفتهوش من سنين طويلة. كان مبتسم ضحكة ملمحتهاش على وشه من زمان.
وجنبه.. كانت واقفة ست لابطة فستان لونه أصفر باهت.
وشها كان لافف الناحية التانية، بعيد عن الكاميرا.
وإيدها كانت ساندة على بطنها..
كانت حامل!
الأوضة لفت بيا والحيطان مالت.
مسكت في حرف مكتب المحامي بكل قوتي عشان مقعش الصورة دي اتصورت إمتى؟
رد عليا من حداشر سنة.
حداشر سنة كاملة!
بنتنا آية ساعتها كانت عندها اتناشر سنة بس.
في السنة دي بالذات، أحمد كان بيسافر كتير بحجة الشغل. المحلة، المنصورة، طنطا.. كان بيرجع تعبان، ساكت، وريحته مطر وبنزين. وأنا الغبية كنت فاكرة إنه شايل هم الفلوس، ومصاريف المدارس، وعلاج أمه الله يرحمها.
مكنتش أعرف إنه شايل هم حياة تانية..
ست تانية..
وطفل تاني جاي في السكة!
أنا مش فاكرة إزاي خرجت من مكتب المحامي. كل اللي فاكراه هو نقط المطر الساقعة اللي كانت بتخبط في وشي وأنا في وسط البلد. فاكرة سواق التاكسي وهو بيسألني مرتين على فين يا مدام؟.. وأنا أقوله مصر الجديدة.. وفجأة صرخت فيه لأ.. على العين السخنة!
بص لي في المراية مستغرب يا مدام، دلوقتي؟ الدنيا بتمطر سيول والطريق
خطر!
قلت له بصوت قاطع اطلع وسوق وأنت ساكت.
طول الطريق السريع، السماء كانت بتتشرخ نصين من الرعد والبرق.
المية
 

تم نسخ الرابط