أبويا رجع بعد عشرين سنه غياب

لمحة نيوز

فخ الموت ليلة فرحي!
أبويا رجع بعد عشرين سنة غياب، قبل فرحي بيوم واحد بس، ووقف قدامي وحذرني وقالي حماتك حطالك فخ هتموتك فيه. 
أنا ضحكت في وشه باستهزاء.
تاني يوم، بعد ما كتبنا الكتاب في المحكمة، عربية شيروكي سودا ومتزينة بشريط أبيض وقفت في نفس المكان اللي أبويا قال عليه بالظبط.. والست اللي كانت قاعدة جوا العربية، كان معاها قرار موتي جاهز في شنطتها! 
كنت خارجة من باب الشركة من مخرج الطوارئ والخدمات لما لمحته.
راجل عجوز ساند ضهره على الحيطة.
لابس جاكيت رمادي قديم.
جزمته مليانة تراب.
وعينيه هلكانة من التعب.
في الأول، مَعرفتوش.
بس بعدين نطق اسمي.. صوت خشن ومبجوج ضرب في صدري زي الطوبة
كارما.
صدمة.. ده كان رأفت الشناوي.. أبويا!
الراجل اللي اختفى وسابنا وأنا عندي خمس سنين.. الراجل اللي أمي بطلت تجيب سيرته بعد ما عيطت عليه ليالي وأنا طفلة صغيرة.. الراجل اللي سابها تطحن في الدنيا، وتشتغل ورديتين عشان تدفع الإيجار لوحدها، لحد ما ماتت والهم حافر خطوطه في وشها وهي لسه مكملتش خمسين سنة.
مجريتش عليه.. ومسألتوش كنت فين كل ده.. أنا بس وقفت متنحة وباصة له.
كان باين عليه إنه معدي الستين، مش بسبب السن، لأ.. بسبب الذنب اللي واكل في قلبه.
قالي تاني وصوته واطي كارما.. اسمعيني كويس. بكرة، أول ما تخرجي من مصلحة الشهر العقاري ومكتب المأذون، هتيجي عربية شيروكي سودا، محطوط على كابوتها شريط أبيض بتاع زفة.
معدتي اتلوت من الخوف والتوتر إيه؟
قالي وهو باصص في عيني إياكي تركبيها.
ضحكت.. ضحكة كلها مرار، برود، وعصبية أنت راجع بعد عشرين سنة عشان تقولي أركب عربية إيه ومركبش إيه؟!
عينيه مِتثبتتش ومِتفتش السواق هيقولك إن سيف هو اللي باعت العربية.. وجوا العربية هتلاقي ست لابس عباية رمادي، هتقولك

إن في ورق يخص العيلة لازم تمضيه قبل ما تروحوا القاعة بتاعة الفرح.
نفسي انقطع لثانية.. الكلام كان محدد أوي.. غريب أوي.. وحقيقي أوي لدرجة ترعب.
قرب مني خطوة بس ملمسنيش أنا هكون واقف على أول الشارع، عند كشك الشاي، راكب عربية فيرنا بيضا.. تعالي معايا أنا.
حسيت بغل سنين طويلة بيطلع من حنجرتي أجي معاك أنت؟! أمي ماتت وهي مستنياك!
وشه اتكسر وظهر عليه العجز أنا عارف.
زعقت فيه لأ أنت مش عارف.. ومش من حقك تعرف.. ملقيتش غير قبل فرحي بيوم عشان تيجي وتعيش دور الأب؟!
كارما، أرجوكي..
أرجوك؟ ضحكت بسخرية أنت هربت وسيبتنا.. سيبتنا مش لاقيين ناكل.
رد عليا بجملة ضربت في الهوا زي الكرباج أنا مشيت عشان أخليكي عايشة!
في اللحظة دي، كل حاجة حوالينا سكتت.. صوت الزحمة بتاع الشركة.. زحمة المحور.. صوت البواب وهو بيجر الكرسي.. حتى صوت نفسي أنا.
هزيت دماغي برفض لأ.. متمثلش عليا.. متبدلش جبنك وهروبك وتعمله تضحية.
مد إيده في جيبه وطلع حاجة.. صورة قديمة.. أمي، وهي لسه صغيرة وشابة، وشايلاني بين إيديها.. وجنبها كانت واقفة ست، أنا عارفاها كويس أوي وشفتها مية مرة.. ميرفت الألفي.. حماتي المستقبلية!
أطراف صوابعي سقعت أنت جبت الصورة دي منين؟
صوته نزل لوشوشة مرعبة اسألي ميرفت.. ليه غيرت اسمها ولقب عيلتها بعد سنة 2004؟
وقبل ما أرد، تليفوني رن.. كان سيف.. خطيبي.
بصيت للشاشة، وبعدين بصيت لأبويا.. لقيت عينيه غرقانة دموع.
قالي وهو بيلف ضهره متركبيش العربية الشيروكي يا كارما.. ده الطلب الوحيد اللي بطلبه منك في حياتي.
عديت من جنبه بسرعة.. حاول يقف في طريقي من غير ما يلمسني كارما!
بصيت له في عينه وقولت بجمود غور في داهية.
ومشيت خطوة سريعة.. بس رجليا كانت بتترعش ومشيلاني بالعافية.
الليلة دي مقولتش لسيف أي حاجة.
. اتكلمنا فيديو كول ،كان بيضحك وفرحان..
قالي يا مرحب ب مدام سيف الألفي مقدمًا.. 
وقال إن أمه عيطت وهي بتظبط لي طرحة الفستان.. وقالي بالنص أمي بقت بتحبك أكتر مني يا كارما.
ضحكت معاه.. بس دماغي كانت زي الساقية بتلف في كلام أبويا
عربية سودا.. شريط أبيض.. عباية رمادي.. ورق العيلة.
الساعة جات اتنين بالليل.. قمت وفتحت الدولاب وطلعت سحارة أمي القديمة.. كان فيها لبسها.. و دهبها.. وصل نذر بتاع مسجد.. ملف مستشفى.. وظرف مقفول بالشمع الأحمر عمري ما لفت انتباهي قبل كده!
مكتوب عليه بخط إيد أمي كارما.. متفتحيش الظرف ده إلا لو شفتي أبوكي تاني.
إيديا بقت تترعش وأنا بقطعه.. كان جواه ورقة صغيرة مكتوب فيها سطر واحد بس
لو رأفت رجع فى يوم من الايام . اديله فرصه و اسمعيه هو مكنش وحش زى منتى مفكرة.
قعدت على الأرض مذهولة ومبرقة لحد ما الشمس طلعت.
الصبح كان يوم الفرح.. يوم مثالي.. زيادة عن اللزوم.
الشوارع كانت رايقة بعد مطرة خفيفة بالليل.. .. وفستاني الأبيض جاهز.. 
صاحبة عمري مريم جت ومعاها شنطة الميك اب والدبابيس والكحل، ونازلة فيا توجيهات وأوامر.
مكتب توثيق الشهر العقاري كان زحمة.. عرايس وعرسان، أهالي، ورد، موظفين زهقانين، ومصورين بيزعقوا بص هنا يا فنان.. اضحكي يا عروسة!
سيف كان زي القمر بالبدلة السودا.. وأمه، ميرفت، كانت لابسة فستان سواريه وحاطة عقد ألماس حول رقبتها.. لما حطت إيدها عليا ، ريحة برفيومها كانت قوية أوي.. زيادة عن اللزوم.
ميلت على ودني وقالتلي من النهارده.. بقيتي ملكنا وبتاعتنا.
كان المفروض أحس بالبركة والفرحة.. بس حسيت بكتمة نفس، كأني في مصيدة.
مضينا.. سيف مضى الأول.. بعدين أنا.. وبعدين الشهود.. الموظف ختم الدفتر.. والكل صقف وزغرد.
سيف لبسني الشبكة بره في الصالة
عشان الصور.. الورد بيترمى علينا.. فلاشات الكاميرا بتنور.. والناس بتهتف
مبروك!
بصوا هنا!
امسك إيدها يا عريس!
سيف ضغط على صوابعي ووشوشني مراتي.
وفي ثانية واحدة، ثانية غبية.. تمنيت من كل قلبي إن أبويا يكون غلطان أو مريض نفسي.
فجأة سيف بعد عني.. المصور قاله الإضاءة هنا وحشة يا بيه، تعال معايا ثانية نظبط الكادر ده.
ومريم راحت تجيبلي الشنطة من العربية.
وقفت لوحدي على الرصيف.. ضربات قلبي كانت عالية لدرجة إني سامعاها في ودني.
وفجأة.. العربية الشيروكي السودا وصلت.
فاميه غامق.. شريط أبيض على الكابوت.. وورد ملفوف على المرايات.
وقفت قدامي بالظبط.. ريقي نشف.
السواق نزل.. بدلة سودا.. سماعة في ودنه.. ووشه خالي من أي تعبير مدام كارما الألفي؟
اسمي الجديد غريب على ودني أيوه؟
الباشا سيف بيقولك اركبي هنا عشان تروحي القاعة لوحدك.. عاملها لك مفاجأة.
الباب الوراني اتفتح.. وجوا كانت قاعدة ست لابسه فستان رمادي.. لمة شعرها لورا بقسوة.. وفي حضنها شنطة جلد سودا.. ابتسمتلي زي دكتور بيمهد لمريض إنه هيموت أنا الأستاذة نجوى.. المحامية بتاعة عيلة الألفي. 
اركبي يا كارما يا بنتي.. مش هناخد عشر دقائق.. شوية إجراءات وورق قبل الفرح.
كلام أبويا رجع يرن في دماغي كلمة كلمة.. حرف حرف.
المنطقة حواليا كأن الصوت اتكتم فيها.. لفيت وشي أدور على سيف.. كان واقف مع المصور.. بس مكنش بيتصور.. كان عينه عليا.. وميرفت كمان!
ميرفت كانت واقفة على سلم المبنى، والضحكة الأمومية اختفت من وشها تمامًا.. كانت بتبصلي بنظرة انتظار.. مش لهفة حب.. نظرة جوع صيد!
رجعت خطوة لورا أنا دايخة.. محتاجة أشم هوا.
ابتسامة المحامية اتشدت وبقت سخيفة المية موجودة في العربية يا مدام.
زعقت قولت محتاجة هوا!
السواق تحرك خطوة سد بيها الرصيف
قدامي.. نبضي ضرب في السماء.. ورايا مريم ندهت كارما؟ في إيه؟
لفيت راسي
 

تم نسخ الرابط