ابويا وامي الغوا حفلة عيد ميلادي
أبويا وأمي ألغوا حفلة عيد ميلادي ال 18 الساعة 417 العصر، قبل تلات ساعات بالظبط من ميعاد التورتة.
فاكرة الوقت ده بالثانية لأنني كنت واقفة في مطبخ بيتنا اللي في ضواحي كولومبوس، أوهايو، ولابسة الفستان الأزرق الهادي اللي اشتريته بفلوسي ومن شقايا في ورديات آخر الأسبوع في الكافيه. الصالة كانت خلاص اتزينت، والبلونات الفضية مالية السقف، واسمي مارا مكتوب بحروف متزوقة على لافتة قعدت أنا وأعز أصحابي نعلقها طول الليل. لأول مرة في حياتي، قلت الليلة دي هتبقى ليلتي أنا وبس.
وفجأة، أختي الصغيرة بريل رمت نفسها على أرضية الطرقة وقعدت تصرخ وتصوت وتقول إن ده ظلم.
كان عندها 16 سنة، بس كانت بتعيط زي العيال الصغيرة لمجرد إن الأضواء هتروح منها. قعدت تصرخ وتولول إن ماحدش مهتم إنها سقطت في امتحان السواقة الصبح، وإن كله بيحتفل بمارا وكأنها معجزة، وإن أبويا وأمي لو بيحبوها بجد، هيلغوا الحفلة دي وياخدوها يفسحوها ويشتروا لها لبس عشان يراضوها.
وقفت مستنية أبويا ينهرها ويقول لها لمي نفسك.
بدل ما يعمل كده، فرك جبهته وبصلي وقال مارا، أنتِ بقيتي 18 سنة خلاص، ولازم تكبري وتفهمي.
أما أمي فكانت بتهرب من عيني وهي بتشيل الشمع من التورتة وقالت هنعوضهالك في أي ويد إند تاني يا مارا، أختك نفسيتها
في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتجمدت.
أصحابي خلاص أكدوا إنهم جايين في الطريق، ومديري في الشغل يدوب مديني الليلة دي إجازة بالعافية، وجدتي كانت لسه بعتالي كارت فيه 50 دولار في البوستة وكاتبة لي أخيرًا حياتك هتبدأ. بس أبويا وأمي اتعاملوا مع عيد ميلادي وكأنه طبق بلاستيك، حاجة يطبقوها ويرموها في الزبالة لمجرد إن بريل هانم ترتاح.
بريل بطلت عياط في نفس اللحظة اللي أبويا وعدها فيها إنه هياخدها المول. بصت لي من تحت رموشها المبلولة، ولمحت الابتسامة الصفرا الخبيثة اللي كانت بتحاول تخبيها.
الابتسامة دي بالذات هي اللي خلتني أخد قراري في ثانية.
ما صرختش، وما اتلقحتش عليهم. طلعت بكل هدوء على أوضتي فوق، سحبت شنطة الظهر اللي كنت مجهزاها للطوارئ من شهور، وحطيت فيها شهادة ميلادي، وبطاقة الرقم القومي، واللاب توب، وطقمين لبس، وظرف الفلوس اللي كنت محوشاها ومخبياها تحت درج الكومودينو.
على ما أبويا وأمي رجعوا من رحلة مواساة بريل وهم شايلين لها كوتشيات جديدة ومأكلينها في مطعمها المفضّل، كانت أوضتي على البلاط.
كل اللي سبتهولهم ورقة واحدة على المخدة
أنتو ألغيتوا عيد ميلادي، وأنا ألغيت مكاني في العيلة دي.
ورحت ركبت أول أتوبيس بشنطة واحدة، وقلب بيترعش، ومن غير
الأتوبيس بدأ يتحرك، ودموعي اللي حبستها طول اليوم نزلت مغرقة وشي. طلعت موبايلي عشان أعملهم كلهم بلوك، بس شاشتي نورت برقم غريب.. رقم بعتلي رسالة واحدة وقفت الدم في عروقي
أخيراً مشيتي.. أنا مستنيكي في المحطة الجاية، ومعايا السر اللي أبوكي وأمك خبوه عنك طول ال 18 سنة اللي فاتوا!
الأتوبيس هدى السرعة، والمحطة الجاية بدأت تظهر من الشباك...
يتبع
نفسي وقف، وفضلت باصة للشاشة ومش قادرة أستوعب الكلام. سر إيه اللي مخبينه عني؟ ولما هم مخبين حاجة، الشخص ده عرفها منين؟ والأهم من كل ده.. هو مين أصلاً وبيراقبني إزاي؟!
الأتوبيس وقف تماماً، والباب اتفتح بصوت هسيس الهوا المكتوم. برة كانت الدنيا ضلمة وكحل، والمحطة عبارة عن رصيف قديم في وسط المدافن، مفيش فيه غير عمود نور واحد بيرعش ويطفي.
لميت حاجتي وبإيد بتترعش شيلت الشنطة على ضهري ونزلت. خطوة ورا خطوة، ورجلي بتخبط في بعضها من الخوف والبرد. الرصيف كان فاضي.. مفيش صريخ ابن يومين.
وفجأة، سمعت صوت خطوات سريعة بتقرب مني من ورا الشجر. جيت ألف وأبص، لقيت إيد خشنة اتمدت وضغطت على بوقي بقوة، وضهر قوي لزق في ضهري وهو بيهمس في ودني بصوت مخنوق
لو عايزة تعيشي ما تصرخيش.. أهلك مش أهمال في حقك بالصدفة يا مارا،
وقبل ما أستوعب كلامه، لمحته مطلع من جيبه ورقة مطبقة، نفس شكل ونوع الشهادة اللي في شنطتي.. بس الاسم المكتوب فيها ما كانش اسمي!
عيني وسعت من الصدمة، ونبضات قلبي بقت مسموعة لدرجة إني حسيت إن الراجل ده سامعها. كان ماسك ورقة رسمية قديمة، شكلها شهادة ميلاد تانية خالص.. الورقة كانت باهتة، بس واضحة كفاية تحت ضوء العمود اللي بيرعش. لمحت الاسم المكتوب تحت خانة المولود برييل.
أختي؟!
الراجل ساب بوقي بالراحة لما حس إني استسلمت ومبقتش بقاوم، بس فضل محاوطني عشان ما هربش، وهمس في ودني وهو بيلفت انتباهي للتواريخ المكتوبة في الورقة بصي كويس يا مارا.. أختك مش أصغر منك بسنتين زي ما قايلين لك.. برييل مولودة في نفس السنة، ونفس الشهر، ونفس اليوم اللي اتولدتي فيه! أنتو توم.. بس في الدفاتر الرسمية، أنتو مش أخوات أصلاً!
دماغي لفت، ومبقتش مجمعة حاجة. توم إزاي؟ وأخوات إزاي ومش أخوات في الدفاتر؟
الراجل سحب الورقة بسرعة وحطها في جيبه أول ما لمح كشافات عربية جاية من بعيد وبتقطع ضلمة الطريق بسرعة جنونية. مسك إيدي وقالي بصوت حاسم العربية دي جاية عشانك، لو قفشوكِ هنا مش هتشوفي الشمس تاني.