بعد ما دفنت ابني الوحيد
أكد إن التسجيلات أصلية.
وإن مفيش أي تلاعب فيها.
وفي يوم خميس.
وأنا قاعدة في البيت.
سمعت خبط عنيف على الباب.
فتحت.
لقيت الشرطة.
لكن المرة دي...
ماكنوش جايين عشاني.
كانوا رايحين على بيت أبويا.
وفي نفس الوقت تقريبًا...
كانت قوة تانية بتقبض على جيهان.
في البداية أنكرت كل حاجة.
صرخت.
عيطت.
أغمى عليها.
ادعت المرض.
لكن الأدلة كانت أقوى.
ومع كل تحقيق جديد...
كانت الحقيقة تطلع أبشع.
لحد ما جه يوم المواجهة الأخيرة.
اليوم اللي عمري ما هنساه.
اليوم اللي بصيت فيه في عين أختي للمرة الأخيرة.
وسمعت منها اعتراف قلب حياتنا كلنا للأبد...
كانت قاعة المحكمة ساكتة بشكل مخيف.
الكل موجود.
صحفيين.
محامين.
ناس من العيلة.
وجيران.
وزمايل شريف في البنك.
حتى مدرس مازن كان قاعد في آخر صف.
أنا كنت قاعدة بهدوء.
لأول مرة من سنة كاملة.
هادية بشكل غريب.
يمكن لأن الوجع لما يزيد عن حده...
بيتحول لصمت.
دخلت جيهان القاعة.
لكنها ماكنتش جيهان اللي
وشها أصفر.
عينيها غرقانة خوف.
وشعرها مبعثر.
وبطنها الكبيرة كانت واضحة جدًا.
بصتلي.
وأنا بصيتلها.
لكن ولا واحدة فينا اتكلمت.
بدأت الجلسة.
والنيابة عرضت الأدلة.
التسجيلات.
المكالمات.
التحويلات البنكية.
شهادات الشهود.
كل حاجة.
بالتدريج بدأت الصورة الكاملة تظهر.
جيهان كانت غرقانة في ديون ضخمة بسبب جوزها شريف.
وأبويا كان مديون لتجار ورجال أعمال.
وكانوا محتاجين ملايين الجنيهات بسرعة.
وكانوا شايفين إن شريف زوجي هو الحل.
الشقة.
الاستثمارات.
التأمين.
كل حاجة كانت هدف.
لكن شريف رفض.
ورفض أكتر من مرة.
بل وهدد إنه يبلغ عن محاولات التزوير.
ومن هنا بدأت الكارثة.
القاضي بص لجيهان.
وسألها
هل تنكرين ما ورد في التحقيقات؟
جيهان فضلت ساكتة.
ثواني طويلة.
ثم بدأت تبكي.
في الأول افتكر الناس إنها بتتأثر.
لكن بعدها قالت جملة خلت القاعة كلها تتجمد.
أنا ماكنتش عايزة الواد يموت.
سكتت القاعة.
تمامًا.
حتى القاضي نفسه رفع رأسه.
وأنا
جيهان كملت وهي بتبكي
أنا كنت عايزة شريف بس.
شهقة جماعية خرجت من الناس.
واحدة من السيدات غطت بوقها.
ومدرس مازن نزلت دموعه.
أما أنا...
فكنت قاعدة زي التمثال.
جيهان قالت
قالولي إنه خارج لوحده.
ثم انفجرت في البكاء.
والله ما كنت أعرف إن مازن معاه.
صوتها كان مليان رعب.
لكن بالنسبة لي...
كان متأخر جدًا.
متأخر سنة كاملة.
متأخر بعد قبرين.
متأخر بعد ألف ليلة بكاء.
القاضي سألها
يعني تعترفين بالمشاركة في التخطيط؟
هزت رأسها ببطء.
وقالتها.
بوضوح.
أمام الجميع.
أيوة.
في اللحظة دي...
أمي انهارت.
صرخت صرخة عالية.
وأبويا دفن وشه بين إيديه.
لأول مرة في حياته.
لأول مرة فعلاً.
بدا عجوزًا.
مهزومًا.
منكسرًا.
لكن حتى المنظر ده ماحركش جوايا أي حاجة.
ولا شفقة.
ولا شماتة.
ولا انتصار.
ولا حتى راحة.
لأن مفيش حكم في الدنيا هيقدر يرجع مازن.
ولا شريف.
بعد ساعات طويلة.
صدر الحكم.
أحكام قاسية.
والناس كلها كانت بتتكلم.
بتبكي.
بتتصور.
بتناقش.
أما أنا فكنت ماشية ناحية الباب.
بهدوء.
لحد ما سمعت صوت جيهان بينادي.
مريم!
وقفت.
لكن ما بصتش.
سمعتها بتعيط.
بتصرخ.
بتقول
سامحيني.
سكتت لحظة.
ثم قالت
أنا أختك.
هنا فقط...
لفيت وشي ناحيتها.
بصيت في عينيها.
العينين اللي كنت زمان بموت عشان أحميهم.
ثم قلت بهدوء شديد
لأ.
القاعة كلها سكتت.
كملت
أختي ماتت قبل ابني بوقت طويل.
وسبتها.
ومشيت.
من غير ما أبص ورايا.
من غير دموع.
من غير تردد.
خرجت من المحكمة.
والشمس كانت بتغيب.
نفس لون الشمس يوم دفن مازن.
ركبت عربيتي.
وسقت.
من غير هدف.
من غير وجهة.
لكن لأول مرة من سنة كاملة...
حسيت إن الحمل اللي فوق صدري بدأ يخف.
شوية.
بس شوية.
وبعد شهور طويلة...
كنت قاعدة في شرفة بيت صغير وسط الجبال والخضرة.
قدامي فنجان قهوة.
وفي حضني كاب شريف القديم.
وجنبي صورة مازن وهو بيضحك.
بصيت للسماء.
وابتسمت.
مش لأن الوجع اختفى.
الوجع عمره ما بيختفي.
لكن لأن الحقيقة أخيرًا ظهرت.
ولأن
ما بقوش جزء منها.
وفي آخر صفحة من دفتر يومياتي كتبت جملة واحدة
خسرت زوجًا وابنًا... لكنني نجوت من عائلة كانت ستدفنني وأنا ما زلت على قيد الحياة.