بعد

بعد يومين من جوازي

لمحة نيوز


على السوشيال ميديا وفي الصحافة، والبلد كلها هتعرف الحكاية.
أبويا ابتسم وقال
هي دي بنتي.. اللي يمد إيده عليكي يدفع التمن، واللي يفكر يهددك يدفع عمره كله.
تاني يوم الصبح، كنت واقفة قدام برج ضخم في جاردن سيتي، البرج اللي فيه مقر شركات السيوفي للاستثمار. كنت لابسة بدلة شغل فورمال سودا، حاطة نظارتي الشمسية، ورافعة راسي بكل ثقة، رغم إن قلبي كان بيدق زي الطبلة.
دخلت الاستقبال، وطلبت مقابلة منصور بك السيوفي شخصياً. الموظفة بصت لي باستغراب
في ميعاد سابق يا فندم؟
مفيش ميعاد.. بس قوليله دينا عبد الحميد ومعاها ورق أرض قنا الجديدة لعام ٢٠٠٤.. وهو هيسيب اللي في إيده ويقابلني.
الموظفة اتكلت في التليفون، ووشها اتقلب وهي بتسمع الرد، وبسرعة قالت لي
اتفضلي معايا يا فندم.. البك مستنيكي في مكتب الدور ال ٢٠.
طلعت في الأسانسير وأنا باصة لشكلي في المراية، بصلح الروج وبثبت نفسي. الأسانسير فتح على مكتب ملكي، سجاد إيراني ولوحات زيتية وواجهة زجاجية كاشفة النيل كله. وفي آخر المكتب، كان قاعد راجل في أواخر الخمسينات، شعره شايب وصحته باين عليها العز، لابس بدلة غالية جداً وبيشرب سېجار.. منصور السيوفي.
أول ما دخلت، قفل اللاب توب بتاعه وبص لي بنظرة حادة زي الصقر
أهلاً يا مدام دينا.. كنت فاكرك هربانة مع أبوكي في شقة شبرا القديمة، بس فاجأتيني بشجاعتك وجيتي لحد عندي.
عرفت في اللحظة دي إن عيونه كانت مراقبانا، بس مبينتش خۏفي، قربت وقعدت على الكرسي اللي قدامه بكل برود، وحطيت الشنطة على مكتبه.
شقة شبرا دي كنا بنغير فيها جو بس يا سيوفي بك. إنما الشجاعة دي ورثاها عن أبويا، والظاهر إنك باعت رجالتك يكسروا مكتب المحامي ويهددوا عائلة الشاذلي وفاكر إن الكل بېخاف من الوش الخشب.
منصور بك مال بضهره لورا وضحك ضحكة مكتومة
الشاذلي ده راجل حمار، طول عمره مغفل.. افتكر إنه لما يعمل فيها كبير ويتشطر على عروسة في بيته إنه كده راجل، ولما جيتي ذلتيه بورق الأرض جالي يجرى ويعيط زي الحريم ويقول لي الحقني البنت معاها المستندات.. أنا ميهمنيش الشاذلي في حاجة، يغور في داهية، اللي يهمني هو الورق اللي معاكِ.. تمنه كام يا دينا؟ قولي الرقم اللي يعجبك، شيك بمليون؟ اتنين؟ خمسة؟ وتاخدي بعضك وتعيشي هانم وتنسي الحكاية دي خالص.
فتحت الشنطة وطلعت النسخة الأصلية من الدوسيه، وبصيت له بثبات
فلوسك مش هتلزمني يا سيوفي بك.. أنا فلوسي باخدها من شغلي وتعبي، ومش هبيع كرامتي ولا الخۏف اللي عيشتوه لأمي وأبويا البارح بمليون ولا بعشرة.
ملامحه اتقلبت فوراً، والضحكة اختفت، وصوته بقى واطي ومرعب
يبقى

إنتِ مش عارفة إنتِ واقفة قدام مين يا شاطرة.. أنا بكلمة واحدة أخفيكي من على وش الأرض إنتِ وعيلتك، والورق ده هاخده برضه.
وقفت وسندت بإيدي على مكتبه، وقربت منه وعيني في عينه
جرب تعملها كده.. وشوف إيه اللي هيحصل. قبل ما أدخل البرج ده بنص ساعة، إيميل شركتك استلم نسخة من العقود دي، ومعاها قايمة بأسماء تلات جرائد ومواقع إخبارية كبار.. النسخ دي مبرمجة على السيرفر بتاعي، لو أنا مخرجتش من باب البرج ده سليمة وواقفة على رجلي بعد ساعة من دلوقتي، أو لو غبت عن تليفون أبويا.. الورق ده كله هيبقى تريند رقم واحد في مصر، والنيابة العامة هيكون عندها بلاغ رسمي بالتزوير والاستيلاء على أملاك الدولة مدعوم بالمستندات الأصلية اللي متأمنة في مكان إنت عمرك ما هتوصل له.
منصور السيوفي فضل باصص لي والسېجار في إيده، ومستغرب من الجرأة اللي في عيني. لقى نفسه قدام بنت مش جاية تبتزه ولا خاېفة من نفوذه، جاية تحمي نفسها وأهلها بذكاء.
سحب نفس طويل من السېجار وطلعه ببطء
دماغك سم يا دينا.. مديرة تسويق بجد، بتعرفي تلعبي بالكروت اللي في إيدك. طب وعايزة إيه؟ طالما الفلوس مش عايزاها، والټهديد منفعش معاكِ؟
عايزة الأمان يا سيوفي بك.. الأمان وبس.
يعني إيه؟
يعني ورق الأرض ده هيفضل معايا، أمان ليا ولأهلي طول العمر. ورجالتك يبعدوا عننا تماماً، وتنسى عنوانا وتنسى إننا موجودين في الدنيا. وفي المقابل، أنا ماليش دعوة بيك ولا بشركاتك، ولا هسلم الورق ده لحد طول ما إنت ملتزم بحدودك معايا.. والراجل المغفل اللي اسمه الحاج عبد الفتاح، يكمل شروطي اللي اتفقت معاها عليها للاخر، والبيت اللي كتبه لماما محدش يقرب منه.
منصور السيوفي فضل ساكت لثواني، وبعدين طفى السېجار في الطفاية الكريستال وقام وقف، ومد إيده ليا
اتقابلنا كأعداء يا مدام دينا.. بس أنا بحترم الأذكياء. شروطك مقبولة، وعيلتك في أمان رقبتي أنا شخصياً.. بس الورق ده لو طلع برة، افتكري إن مفيش حد هيكون خسران قدك.
طول ما أنا بأمان.. ورقك في أمان يا بك.
مسكت شنطتي وخرجت من المكتب، وكنت حاسة إن جبال انشالت من فوق كتافي. نزلت في الأسانسير وخرجت لباب البرج، الشمس كانت حامية وبتقيد في وشي، طلعت الموبايل وكلمت أبويا
إيوه يا بابا.. أنا خارجة من البرج دلوقتي، كله تمام.. اللعبة خلصت، وإحنا اللي كسبنا.
أبويا اتنفس براحة وصوته كان مليان فخر
حمد لله على سلامتك يا قلب أبوكي.. تعالي يلا عشان الشاي بيبرد.
ركبت عربيتي وسوقت وأنا ببص لوشي في المراية.. أثر القلم اللي حمايا ادهوني كان لسه معلم خفيف على شفايفي، بس الۏجع اللي في قلبي كان
خلاص اختفى. الجوازة اللي افتكرتها هتكسرني، طلعت منها أقوى بمية مرة. أنا دينا عبد الحميد، البنت اللي رفضت تكون خدامة أو ضحېة لتقاليد مريضة، ودقت السکينة في الترابيزة.. عشان تنهي حكاية الظلم، وتبدأ حكايتها هي.. حكاية الست اللي مفيش راجل يقدر يكسر عينها.
الفصل الرابع حافة الهاوية.. واللعب على المكشوف
فاتت تلات شهور على اليوم اللي دخلت فيه مكتب منصور السيوفي. تلات شهور والدنيا هديت فيهم ظاهرياً، بس من تحت لتحت كانت بتغلي زي بركان مستني القشة اللي هتفجره.
حياتي اتقلبت تماماً؛ رجعت لشغلي في شركة التسويق، وبقيت بصب كل طاقتي فيه. نزلت مع المحامي بتاعي وخلصت كل إجراءات قضية الخلع، وورقة طلاقي من أحمد بقت في درج مكتبي.. ورقة بيضا مكتوبة بحبر أسود، نهت سنتين خطوبة ويومين جواز، ودفنت مع الجوازة دي البنت الساذجة اللي كانت فاكرة إن الست عشان تعيش لازم تطاطي وتعدّي.
العمارة اللي الحاج عبد الفتاح ادهالي كتعويض عن كرامتي وقلم فرحي، نقلت ملكية الشقة اللي فيها باسم أمي رسمي في الشهر العقاري، وبقيت بأجرها لحسابها عشان يدخل لها قرشين يسندوها. أما عيلة الشاذلي.. فجبروتهم اتمسح. الحاج عبد الفتاح خرج من المستشفى بعد جلطة خفيفة،
بس خرج راجل تاني خالص.. مكسور الضهر، عينه مش بتيجي في عين حد من الجيران، ومشيته في الشارع بقت سريعة وكأنه مستخبي من خياله. وحماتي ومي مبقوش يفتحوا بقهم بكلمة، والمنطقة كلها عرفت إن دينا عبد الحميد أخدت حقها تالت ومتلت من عين الأعيان اللي افتكروا بنات الناس لعبة.
لكن.. الهامش اللي عشته في الأمان ده كان مجرد وهم. الأفاعي الكبيرة لما بتسكت، مش بتسكت عشان نسيت، بتسكت عشان تلتف حوالين رقبتك بالراحة ومن غير ما تحس.
في ليلة من ليالي شهر طوبة الباردة، كنت قاعدة في صالة شقتنا الجديدة، براجع حملة إعلانية لشركة عربيات كبيرة على اللاب توب، وأبويا كان قاعد على الكرسي الهزاز بتاعه بيقرا كتاب، وأمي بتعمل محشي كرنب وريحة التقلية مالية البيت وبتحسسنا بالدفء.
فجأة، تليفوني رن برقم غريب. قلبي انقبض.. نفس القبضة اللي حستها يوم ضړب الڼار.
رديت وصوتي فيه حذر
ألو.. مين معايا؟
مدام دينا؟ أنا أحمد.. أحمد الشاذلي.
صوته كان متغير تماماً، مش صوته المكسور بتاع زمان، ولا صوته اللي كان بيترجاني بيه. كان صوته ناشف، وفيه نبرة غريبة.. نبرة واحد مېت ومبقاش باقي على حاجة.
عايز إيه يا أحمد؟ أظن مفيش كلام بيني وبينك تاني، وكل واحد راحت لحاله.
دينا.. أنا مش بكلمك عشان نرجع، ولا بكلمك عشان الورق.. أنا بكلمك عشان أقولك إننا الاتنين بنتهي. منصور
السيوفي غدر بينا وبادلو بالكل. بابا ماټ النهاردة الصبح في المستشفى يا دينا.. جاله جلطة تانية وماټ مقهور، والسيوفي حجز على كل حاجة حيلتنا بعقود بيع قديمة بابا كان ماضي عليها من غير ما يعرف.. إحنا اترمينا في الشارع أنا وأمي وأختي.
البقاء لله يا أحمد.. بس أنا مالي باللي حصل بينكم؟ إنتوا اللي دخلتوا معاه في سكة الحړام من الأول، وباباك هو اللي زور واشتغل معاه.
مالي إزاي يا دينا؟ السيوفي مش هيسيبك.. هو بس كان مستني لما يخلص علينا ويقفل دفاترنا عشان يتفرغ لك. الراجل ده مش ناوي يسيب النسخ اللي معاكِ، وهو عرف إنك مخبية النسخة الأصلية في مكتبة قديمة في وسط البلد تخص واحد صاحب أبوكِ.. رجالته مراقبينك ومراقبين والدك خطوة بخطوة، ولو فاكرة إن الإيميل اللي بعتيه زمان حاميكي، يبقى مش عارفة السيوفي.. الراجل اشترى المواقع الإخبارية اللي كنتِ بتهدديه بيها، والنسخ اللي على السيرفر بتاعك اتمسحت الصبح بعد ما هكروا حسابك!
قمت وقفت من على الكرسي، واللاب توب كان هيقع من إيدي. الډم هرب من عروقي. فتحت الموبايل بسرعة ودخلت على السيرفر السري اللي شلت عليه المستندات.. الشاشة طلعت لي رسالة حمراء الحساب غير موجود.
إيدي بدأت تترعش. بصيت لأبويا اللي حس بحركتي وقام وقف وجالي بسرعة.
في إيه يا دينا؟ أحمد قالك إيه؟
بابا.. السيرفر اتمسح.. النسخ اللي كنت مأمنة نفسي بيها على النت كلها طارت! والسيوفي عرف مكان النسخة الأصلية اللي شيلناها في مكتبة عم فاروق في وسط البلد!
أبويا وش وشحب، ومسك عكازه بإيد مرتجفة
إزاي؟ ده عمك فاروق مكتبته مقفولة من أسبوع عشان عيان.. لو وصلوا هناك هيكسروا المكتبة وياخدوا الدوسيه، ووقتها مش هيبقى معانا أي كارت نلعب بيه ضد منصور السيوفي.. وهيمحينا إحنا وال شاذلي من الدنيا!
مش هيلحقوا يا بابا.. أنا هسبقهم.
أخدت مفاتيح عربيتي، وأبويا صمم ييجي معايا رغم تعبه وړعب أمي اللي فضلت تصرخ وبتدعي لنا وهي بټعيط ورا الباب. نزلنا في عز البرد، الشوارع كانت فاضية والمطر بدأ ينزل خفيف ويغسل أسفلت القاهرة. سوقت بأقصى سرعة عندي، وبقيت بكسر الإشارات وعيني في كل المرايات.. الحكاية مبقتش حكاية قلم وإهانة عروسة، الحكاية بقت حكاية حياة أو مۏت، يا إما نثبت التزوير ونحبس الحوت الكبير، يا إما نتدفن إحنا تحت تراب النسيان.
وصلنا منطقة وسط البلد؛ الشوارع الضيقة القديمة، البيوت اللي مبنية على الطراز الأوروبي، والمحلات المقفولة بصاج حديد رمادي. ركنت العربية بعيد شوية عن الممر اللي فيه مكتبة عم فاروق، ونزلت أنا وأبويا ونفسنا عالي.
الممر كان ضلمة كحل، ومفيش
فيه غير لمبة واحدة بتعلق وتطفي وبتعمل صوت زن مقلق. مشينا
 

تم نسخ الرابط