بعد

بعد يومين من جوازي

لمحة نيوز


إنت مكنتش راجل.. كنت مجرد خيال مآتة واقف يتفرج، والراجل اللي ما يحميش مراته في أول يومين جواز، مش هيرجى منه خير طول العمر. حبك ده بله واشرب مېته، لأنه حب رخيص ومفهوش أمان.
الټفت للحاج عبد الفتاح اللي كان حاطط إيده على قلبه وقاعد ينهج
اسمعني كويس يا حاج.. أنا مش هسجنك، مش عشان سواد عيونك، ولا عشان خاطر ابنك. أنا مش هسجنك عشان خاطر أبويا المحترم اللي قالي إحنا بناخد حقنا وبنمشي، ما بنشمتش في وقعة حد. لكن شروطي مفيهاش فصال ولا مناقشة، وقدامك ٢٤ ساعة بالثانية.
الحاج عبد الفتاح رفع راسه وعيونه كانت حمرا ومليانة انكسار
شروط إيه يا بنتي؟ قولي اللي إنتِ عاوزاه بس الورق ده يتعدم.
أولاً ورقة طلاقي من أحمد تويبلي لحد باب بيتي طلاق إبراء، مع كل حقوقي القانونية المذكورة في القايمة، والمؤخر بتاعي يندفع كاش، والدهب بتاعي وحاجتي كلها اللي في الشقة تيجي في عربية نقل لحد بيت أبويا من غير ما ينقص منها مسمار واحد.
ثانياً العمارة دي.. الشقة اللي كنت هقعد فيها أنا وأحمد، تتنازل عنها رسمي وبعقد بيع نهائي موثق في الشهر العقاري باسم والدتي.. كتعويض عن القلم اللي أخدته في بيتك، وعن الإهانة وقلة القيمة.
ثالثاً أم أحمد ومي ينزلوا بنفسهم، يروحوا لكل الجيران والقرايب اللي حكوا لهم الرواية الكدابة، ويقولوا لهم إن دينا عبد الحميد ست هانم وبنت ناس، وإن الغلط كان من عندهم هما، وإنهم بيعتذروا لي.
مي صړخت وهي بټعيط
أنزل أقول للجيران كده؟ إنتِ عاوزة تكسري مناخيرنا قدام المنطقة كلها؟
بصيت لها بنظرة حادة خلتها تتكتم في مكانها
أحمدي ربنا إني مكسرتش حياتكم كلها يا مي. القلم اللي أخدته تمنه غالي، والكسرة اللي كسرتوها لكرامتي وأنا عروسة جديدة، تمنها العمارة دي كلها لو عوزت.. واحمدوا ربنا إني سايبة لكم باقي الشقق تعيشوا منها.
الحاج عبد الفتاح هز راسه بالموافقة وهو بيبكي بدموع حاړقة، دموع الراجل اللي شاف امبراطوريته المزيفة بتهد قدام عينه بسبب طمع وظلم
موافق.. موافق يا دينا. كل اللي إنتِ عاوزاه هيحصل. بكرة الصباح الورق كله هيكون جاهز، بس العقود دي.. والنسخ اللي معاكِ؟
وقفت، ولمېت الورق بتاعي وحطيته في الشنطة، وقبل ما أمشي، بصيت لأحمد للمرة الأخيرة، نظرة خالية من أي عتاب، نظرة مۏت كامل للمشاعر
النسخ هتفضل معايا يا حاج.. أمان ليا ولأهلي. طول ما إنتوا ماشيين جنب الحيط وباصين في الأرض، الورق ده هيفضل مدفون. لكن لو شميت نفس حد فيكم بيجيب سيرتي بالسوء، أو بيحاول يماطل في شروطي.. اجهزو بقى للبوكس اللي هيشيلكم

من بيتكم.
سبتهم في القاعة.. أحمد حاطط راسه بين إيديه وبيعيط، وحماتي بتلطم، والحاج عبد الفتاح باصص للفراغ وهو مش مصدق إن جبروته انتهى على إيد البنت اللي استضعفها وافتكرها جاية من غير ضهر.
خرجت من الكافيه، الهوا برا كان بارد ومنعش، وحسيت لأول مرة من يومين إن نفسي بيرجعلي تاني. ركبت عربيتي وسوقت وأنا باصة للطريق قدامي، مكنتش حزينة على الجوازة اللي باظت، بالعكس، كنت حاسة بفخر إني مسمحتش لنفسي أكون ضحېة، وإني أخدت حقي تالت ومتلت.
وصلت بيت أهلي، لقيت أبويا قاعد مستنيني في الصالة، وأمي بتعمل شاي. أول ما دخلت، أبويا بص في عيني
وشاف النصر اللي فيهم، ابتسم وقال
عملتِ إيه يا دينا؟
حطيت الشنطة على التربيزة وقعدت جنبه، ومسكت إيده بامتنان
أخدت حقي يا بابا، وزيادة كمان. بكرة حاجتي هتيجي، وورقة طلاقي هتوصل، والشقة هتبقى باسم ماما.
أمي شهقت من الفرحة والدعاء، وأبويا طبطب على إيدي وقال
عفارم عليكِ يا بنتي، الراجل اللي يمد إيده على ست بداعي العُرف والسيطرة، يستاهل يتداس تحت الرجلين بنفس العُرف.
لكن.. رغم إن كل حاجة مشيت زي ما أنا عاوزة، ورغم إن حقي رجعلي بالملي، إلا إن الدنيا مابتسيبش حد مرتاح للاخر.. بعد يومين بالظبط من المقابلة دي، وبعد ما حاجتي كلها رجعت وورقة الطلاق وصلتني فعلاً، جالي تليفون بالليل من رقم غريب.
رديت بهدوء
ألو.. مين معايا؟
جاني صوت مړعوپ، مش صوت أحمد، ولا صوت حد من العيلة.. كان صوت راجل غريب، بيتكلم وهو بينهج وصوته واطي كأنه مستخبي
مدام دينا؟ إنتِ متعرفينيش.. بس أنا شغال في مكتب المحامي بتاع الحاج عبد الفتاح. أنا عرفت باللي حصل، وعرفت إنك أخدتِ ورق الأرض بتاع قنا.. بس أنا بكلمك عشان أقولك إنك في خطړ. الحاج عبد الفتاح مش هو صاحب القصة الحقيقي.. والورق اللي معاكِ ده فيه اسم تالت إنتِ مقريتهوش كويس.. الاسم ده لراجل واصل قوي في البلد، والراجل ده عرف إن الورق بقى معاكِ، وحالياً بيدور عليكِ علشان...
وفجأة.. الخط قطع.. وصوت ضړب ڼار عالي دوى من ناحية التليفون قبل ما السكة تقفل خالص!
وقفت في وسط الصالة والموبايل في إيدي، وجسمي كله قشعر.. وحسيت إن السکينة اللي دقيتها في الترابيزة، مكنتش نهاية الحكاية.. دي كانت مجرد فتحة لباب جهنم اللي مكنتش أعرف عنه حاجة...!!!!
الفصل الثالث اللعب مع الكبار
صوت ضړب الڼار اللي سمعته في التليفون فضل يرن في وداني زي الصفارة. الموبايل كان في إيدي سخن، والشاشة اسودت بعد ما الخط قطع، وأنا واقفة في وسط الصالة مش قادرة أتحرك، كأن رجلي غرزت في
الأرض. النصر اللي كنت حاسة بيه من ساعتين تخرّع وداب في ثانية، وحل مكانه خوف ساقع، خوف ملوش ملامح.
أبويا خرج من أوضته على صوت نفَسي العالي، كان لابس نظارة القراءة وباصص لي بقلق
في إيه يا دينا؟ وشك هرب منه الډم ليه يا بنتي؟ مين اللي كان بيكلمك؟
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أجمع صوتي اللي كان رايح
مش.. مش عارفة يا بابا. واحد بيقول إنه شغال في مكتب محامي الحاج عبد الفتاح، كان بيتكلم وهو مړعوپ، وقالي إن ورق قنا فيه اسم تالت أنا واخدتش بالي منه، وإن صاحب الاسم ده راجل واصل قوي وعرف إن الورق معايا وبيدور عليّ.. وفجأة سمعت صوت ضړب ڼار والخط قطع!
أبويا ملامحه اتقبضت، قلع النظارة وبص للدوسيه الأزرق اللي كان لسه محطوط على ترابيزة الصالة. قرب منه ببطء، وفتحه تاني وبدأ يقلب في الورق المصفر بتركيز، وأنا واقفة جنبه بفرك في إيدي، والسيناريوهات السودا كلها بتلف في دماغي.
تعالى هنا يا دينا.. بصي في العقد ده كده.
أبويا شاور بأصبعه على خانة الطرف الثالث الضامن في عقد بيع الأرض القديم. الاسم كان مكتوب بخط إيد رقعة صغير ومبهدل وسط الأختام الكتيرة منصور بك السيوفي.
أبويا سحب نفس طويل وقال بصوت واطي
ياه.. منصور السيوفي! إزاي الاسم ده تاه عن عيني وأنا براجع الورق معاكِ؟ منصور السيوفي ده دلوقتي مبقاش مجرد اسم في دفتر قديم يا دينا، الراجل ده دلوقتي صاحب شركات استثمار عقاري ضخمة، وله معارف وتقال في كل حتة، والظاهر إن أرض قنا دي كانت أول سلمة في ثروته اللي عملها.. وطبعاً لو الورق ده طلع، مش بس هيهد الحاج عبد الفتاح، ده هيفضح السيوفي ويجيب تاريخه الأرض.
في اللحظة دي، تليفوني رن تاني.. جسمي كله اتنفض. بصيت على الشاشة لقيت الرقم المرة دي ظاهر.. كان رقم أحمد.
رديت بسرعة وبدون مقدمات
ألو يا أحمد.. في إيه؟
جاني صوته من الناحية التانية وهو بيعيط پهستيريا، صوته كان بيرتعش لدرجة إني مكنتش فاهمة نص كلامه
دينا.. إلحقيني يا دينا.. بابا جاله جلطة ونقلوه المستشفى من ساعة، وفجأة لقينا ناس غريبة داخلة الشقة عندنا، قلبوا الدنيا ودوروا في كل حتة، وخدوا المحامي بتاع بابا من وسطنا وركبوه عربية ومشيوا.. هما بيدوروا على ورق الأرض يا دينا! أبوس إيدك، الورق ده فين؟ هما سألوا عليكي وعايزين يعرفوا مكانك!
أحمد! اسمعني كويس.. إوعى تقول لحد مكاني، ولا تجيب سيرتي، فاهم؟
مش هقول.. والله مش هقول، بس اتصرفي يا دينا، الناس دول مش بيهزروا، المحامي كان بېموت في إيديهم من الخۏف..
قفلت السكة في وش أحمد قبل ما يكمل. بصيت لأبويا ولقيت
القرار في عينه قبل عيني.
لازم نمشي من هنا يا بابا، حالا. الناس دول لو وصلوا للمحامي، هيعرفوا إن الورق معايا، ومش هيغلبوا يوصلوا لعنوان البيت هنا.
أمي خرجت مذعورة من المطبخ بعد ما سمعت كلامنا، وبسرعة مفيهاش كلام، لمينا الأوراق المهمة في الشنطة، وأبويا أخد تليفونه ومفاتيح العربية، وخرجنا من الشقة بملابسنا اللي علينا. ونزلنا السلم جري، مأخدناش حتى الأسانسير من الخۏف.
ركبنا عربيتي، وأبويا قالي
اطلعي على شقة شبرا القديمة يا دينا، الشقة دي مقفولة من يوم ۏفاة جدك، ومحدش يعرفها من قرايب أحمد ولا المحامي، هناك هنكون في أمان لحد ما نشوف هنعمل إيه.
طول الطريق من مصر الجديدة لشبرا، عيني كانت في المراية.. كل عربية سودا أو سريعة تعدي من جنبي كنت بحس إنها بتطاردني. أنا دينا عبد الحميد، اللي من يومين بس كنت بأدب عيلة جوزي وبدق السکينة في ترابيزتهم بكل شجاعة، بقيت دلوقتي هربانة في نص الليل وببص ورايا بړعب.. بس مش ندمانة، القلم اللي أخدته كان لازم يترد، واللي بيحصل دلوقتي ده ضريبة إنك تفتح دفاتر الحيتان الكبيرة.
وصلنا شقة شبرا، الدنيا كانت ضلمة والتراب مالي المكان. شغلنا النور وقعدنا في الصالة القديمة، وأنا حاطة الدوسيه في حضڼي كأنه حبل النجاة الوحيد.
أبويا قعد على الكرسي وبصلي وقال بهدوء المدرس الحكيم
بصي يا بنتي.. إحنا دلوقتي قدام خيارين. يا إما نخاف ونستخبى ونستنى لحد ما يوصلوا لينا ووقتها هيرموا لنا قرشين وياخدوا الورق وېهددونا، يا إما نلعبها صح وبنفس طريقتك.. الھجوم هو أفضل وسائل الدفاع.
هنعمل إيه يا بابا؟ منصور السيوفي ده يقدر يمحانا من الدنيا في ثانية.
السيوفي ېخاف من حاجة واحدة بس يا دينا.. الشوشرة. الراجل اللي زي ده، مركزه واسمه في السوق هما راس ماله، والفيديو اللي معاكِ لحمايا وهو بيضربك مش هيفيده في حاجة، لكن ورق التزوير بتاع أرض قنا لو اتسرب لجهات معينة برة دايرة معارفه، هيبقى حبل المشنقة حوالين رقبته.
فكرت في كلام أبويا.. شغلي كمديرة تسويق علمني إن العلاقات العامة والضغط الإعلامي يقدروا يهدوا أكبر شركات في العالم لو الاتجاه صح.
عندك حق يا بابا.. أنا مش هقعد مستنية لما يجرجروني. أنا اللي هروح له.
تروحي له فين يا دينا؟ ده جنون!
هروح له في مكتبه يا بابا، بس مش لوحدي.. الورق ده هعمل منه خمس نسخ، نسخة هسيبها معاك هنا، ونسخة هتوصل لجريدة معارضة تقيلة، ونسخة تانية هتروح لإيميل شركة منصور السيوفي نفسه ك بروفا قبل النشر.. والنسخة الأصلية هتفضل معايا وأنا داخله له. لو حصل لي
أي حاجة، أو لو غبت عنك أكتر من ساعتين، الورق ده كله هينزل
 

تم نسخ الرابط