روحت اتبرع بكليتى لابنى الوحيد، بس قبل ما ادخل اوضه العمليات دخل عليا حفيدى وقالى اوعى تعملى العمليه يا تيته……
تمامًا، وشعرت أن الهواء البارد المنبعث من تكييف الغرفة يجمد الدماء في عروقها سجلت إيه يا قلب تيتا؟.
على الجانب الآخر من الزجاج، فقدت شاهيناز كل مظاهر الرقي والبرستيج وصاحت الولد ده بيتخيل حاجات! ده متوتر ومخضوض من المستشفى! طلعوه برة دي حالة طوارئ طبية!.
جزّ مروان على أسنانه متحديًا أمه وقال أنا مش بتخيل حاجة.. امبارح بالليل استخبيت تحت السلم، وسمعت ماما وجدو وبابا بيتكلموا في المكتب.
شعرت كريمة وكأن روحها تُنتزع من جسدها لتسقط في هاوية سحيقة وحسن؟ حسن كمان كان معاهم؟.
أومأ الطفل برأسه، بينما تسيل الدموع على خديه.
رفع الدكتور شريف يده بحزم وقال وقفوا كل حاجة فورًا. قامت الممرضة على الفور بإغلاق ماكينة التخدير، وركضت أخرى نحو الهاتف المعلق على الحائط لطلب أمن المستشفى. وفي الممر الخارجي، حاولت شاهيناز فتح الباب الإلكتروني عنوة، لكن أحد الممرضين منعها، فصرخت فيه دي عائلتي وأنا اللي دافعة فلوس المستشفى دي!.
بأصابع متعثرة من الخوف، فتح مروان قفل الهاتف، ودخل إلى الاستوديو وفتح تسجيلًا صوتيًا مدته دقيقة و ثانية. كان العنوان الذي كتبه الطفل للملف كفيلًا بقطع أنفاس كريمة كلية تيتا.
أمر الدكتور شريف وهو يكتف ذراعيه وينظر بحدة نحو الزجاج شغّله على أعلى صوت.
نظر مروان بطرف عينيه إلى
في البداية ظهر صوت تشويش، ثم خرج صوت شاهيناز بوضوح شديد يتردد بين جدران الغرفة البيضاء، صوت يحمل كل معاني الغطرسة، القسوة والخبث
أول ما فِلاحة العيش والقرص دي تمضي على الإقرارات وينيموها، محدش هيقدر يرجع في الاتفاق...
اتسعت عينا الدكتور شريف بذهول، وشعرت كريمة وكأن العالم يتفتت إلى مئة قطعة. لكن الأسوأ كان قادمًا؛ إذ ارتفع بعد ذلك صوت حسن، ابنها الوحيد، صوت خفيض مليء بالخزي، لكنه لا يخطئه أحد
أمي لازم متعرفش أبدًا إن الكلية دي مش ليا.
اخترقت هذه الجملة صدر كريمة كخنجر مشتعل بالنار. كان هذا هو نفس الصوت الذي كانت تخبز من أجله القرص الساخنة لتدفئته في الشتاء، نفس الولد الذي أقسم لها وهو في الخامسة عشرة من عمره أنه عندما يصبح مهندسًا كبيرًا سيريحها من العمل ويشتري لها بيتًا بحديقة.
لم يجرؤ أحد في الغرفة على التنفس، وتابع التسجيل بصوت شاهيناز وهي ترد باحتقار تام
مش عايزاك تقلب كتكوت مبلول دلوقتي يا حسن، أمك خلاص بلعت الطعم. وعلى ما تصحى وتفوق وهي موجوعة ومن غير كلية، هيكون بابا عمل العملية وبقى زي الفل وبصحة جديدة. وأنت كمل غسيل الكلى
عجز عقل كريمة عن استيعاب الكلمات في الثواني الأولى، كان عقلها يحاول التشبث بالوهم لأن الحقيقة كانت قاسية ومحرقة؛ ابنها مريض ويحتاج لأمه! لكن التسجيل استمر ليدمر كل ما تبقى داخله.
ثم دخل في المؤامرة صوت رجل مسن، خشن ومغرور
أنا مش هستنى 4 سنين في طوابير قوائم الانتظار الحكومية العقيمة دي.. أنا دفع مبالغ وشيكات قد كده لمديرين المستشفى دي عشان الست بتاعة الحسين دي ترجع في كلامها في آخر لحظة.
كان هذا عاصم بيه، الحما الغني، نفس الرجل الذي كان ينظر لكريمة باقزاز، والذي قال ذات مرة في سبوع أحد الأقارب إن عيش الحسين ريحته فقر.
عادت شاهيناز لتتحدث في التسجيل
الحاجة كريمة مش هتشك في حاجة يا بابا، هي عندها عقدة التضحية والشهادة اللي عند الستات الغلابة دول. حسن بس يعملي فيها دور العيان اللي بيموت ويجعلص صوته ويكح شوية، وهي عندها استعداد تفتح بطنها بإيدها.
بدأ جهاز مراقبة ضربات قلب كريمة يطلق إنذارات متسارعة، وضغط دمها ارتفع بجنون. أمسكت ممرضة بيدك قائلة خدي نفس عميق يا حاجة، اهدي أرجوكي.
لكن كريمة كانت تختنق. حسن كان يعلم! ابنها الحبيب كان يعلم أنهم سيقطعون جزءًا من جسدها ليقدموه هدية للرجل الذي كان يهينها، ومع ذلك، تركها ترتدي
وفي التسجيل، كان حسن يبكي بضعف
أنا مش عايز أعمل كده في أمي.. دي جناية وجريمة كبيرة قانونًا.
لتطلق شاهيناز ضحكة شريرة ساخرة
خلاص، روح قول لابنك مروان إننا هنخسر فيلا التجمع، والمدارس الإنترناشونال، والعربيات الزيرو.. قوله إن جدتك السنيورة تهمك أكتر من مستقبلنا ومستوايا الاجتماعي والمادي.. وريني بقى لو عندك شجاعة ترجع للفقر والقرشين اللي أنا نشلتك منهم!
انتهى التسجيل.
خفض مروان رأسه واحتضن الهاتف، وسقطت دموعه بغزارة على سترته الصغيرة.
مد الدكتور شريف ذراعيه قائلًا العملية اتلغت.. الغوا كل الإجراءات والبروتوكول فورًا، محدش يلمس الست دي.
من الممر الخارجي، كانت شاهيناز تضرب الزجاج بجنون التسجيل ده متفبرك! ده اختراع من عيل قليل الأدب ومش متربي! أنتوا بتضيعوا وقت والمريض بيموت!.
نظر الجراح إلى رئيسة الممرضات وقال العملية اتلغت لوجود شبهة اتجار بالأعضاء وإكراه.. بلغي الإدارة الطبية، ولجنة الأخلاقيات، واطلبي شرطة النجدة فورًا.
قامت المساعدة بنزع الكانولا والإبر من ذراع كريمة، لكن كريمة لم تكن تهتم بالأطباء؛ كانت عيناها الغارقتان بالدموع تبحثان عن مروان فقط تعال في حضني يا قلب وعمر تيتا.. تعال يا بطل، همست بصوت مكسور.
ركض الطفل نحوها