دون أن يدري ترك ابني المكالمه مفتوحه

لمحة نيوز

صورة الواجهة.
ولا الحديقة.
ولا غرفة الجلوس.
بل صورة العلامات التي كنا نرسمها على الجدار لقياس طول سيف عامًا بعد عام.
وقف سيف أمامها طويلًا.
ثم قال بصوت هادئ
قست طول ليلى الأسبوع الماضي.
ليلى.
ابنته.
وحفيدتي.
كنت قد رأيتها مرتين فقط منذ بدأت كل تلك الأحداث.
في البداية أبعدتها أحلام عني.
ثم جاءت إجراءات الانفصال وما تبعها من تعقيدات.
فسألت
وكم أصبح طولها؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال
أربعة أقدام كاملة.
وأصرت على خلع حذائها حتى تكون النتيجة دقيقة.
ضحكت.
وكانت ضحكة فاجأتني كما فاجأته.
ثم قلت
كريم كان يفعل الأمر نفسه معك.
أومأ برأسه.
وقال
أعرف.
ثم عاد ينظر إلى الصورة.
وبعد لحظة تردد سأل
هل يمكن أن تزورك ليلى يومًا ما؟
كان أول ما شعرت به هو الخوف.
ثم الحزن.
ثم شيء أكثر هدوءًا.
شيء يشبه الأمل.
فأجبته
نعم.
ثم أضفت
لكن ليس كوسيلة لإصلاح ما بين الكبار.
بل لأنها ليلى.
أومأ برأسه.
وقال
سيُسعدها ذلك.
وجاءت ليلى بعد أسبوعين.
كانت في التاسعة من عمرها.
بعينين فضوليتين.
وحقيبة ظهر ممتلئة بالكتب.
وأرنب صغير محشو كانت تدّعي أنها أحضرته للطريق
فقط.
أحبت البحيرة.
وأحبت كلب أم زهراء العجوز.
وأحبت الفطائر التي كنت أعدها صباحًا.
وفي أثناء الغداء رفعت رأسها فجأة وسألت
جدتي... لماذا تركتِ البيت الذي كان أبي يعيش فيه وهو صغير؟
ساد الصمت.
وشعرت بسيف يتجمد في مكانه.
فنظرت إليه.
لكنه لم يحاول الهروب من السؤال.
ولم يحاول إنقاذ نفسه.
وكان ذلك جيدًا.
لذلك أجبت ببساطة
لأنني كنت بحاجة إلى منزل يعرف الجميع أنه يخصني.
فكرت ليلى في الجملة للحظات.
ثم أومأت برأسها وكأنها فهمت أكثر مما توقعت.
ثم قالت
غرفتي في بيت أمي لا أشعر أنها غرفتي حقًا.
لأن أمي تنقل أشيائي من مكان إلى آخر طوال الوقت.
أغمض سيف عينيه للحظة.
أما أنا فمددت يدي وربتُّ على يد ليلى الصغيرة.
ثم قلت
إذن سيكون لديك هنا درج خاص بك.
رفعت رأسها فورًا.
واتسعت عيناها بدهشة.
وقالت
درج كامل؟
ابتسمت.
وأجبت
درج كامل.
ومنذ ذلك اليوم...
أصبح ذلك الدرج شيئًا مميزًا جدًا بالنسبة لها.
أقلام تلوين.
صدفة بحرية.
كتابان صغيران.
مشبك شعر.
ثم لاحقًا...
الأرنب المحشو نفسه.
الأطفال يفهمون معنى الملكية بطريقة مختلفة عن الكبار.
فبالنسبة لهم...

قد يكون درج صغير كافيًا ليشعروا أنهم مرحب بهم.
دون أن يشعروا أن عليهم امتلاك المكان كله.
راقبني سيف وأنا أكتب اسم ليلى على الدرج.
ولم يقل شيئًا.
لكن عندما خرجنا إلى الشرفة لاحقًا...
قال بصوت خافت
شكرًا لك.
أومأت برأسي.
ثم قلت
لا تضيع هذه الفرصة.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة...
لم يفعل.
مرت الأعوام.
وما زال بعض الناس في البلدة يتحدثون عن اليوم الذي توقف فيه مفتاح سيف عن العمل.
البعض يرويه كفضيحة.
والبعض يرويه كعبرة.
والبعض يصر على أنني أصبحت قاسية بعد وفاة كريم.
فليقولوا ما يشاؤون.
فالناس الذين اعتادوا الاستفادة من صبرك...
غالبًا ما يسمون نجاتك قسوة.
أما الحقيقة فكانت أبسط بكثير.
ترك ابني المكالمة مفتوحة.
فسمعته يصفني بالعبء.
ثم اكتشفت أنه وزوجته لم يكونا ينتظران المنزل فقط.
بل كانا يستعدان لإقناع الجميع بأنني لم أعد قادرة على الاحتفاظ به.
لذلك بعته.
لا بدافع الغضب.
ولا بدافع الارتباك.
بل بكامل وعيي وإرادتي.
أخذت الذكريات التي تستحق أن تبقى.
وتركت خلفي الجدران التي ظنوا أنها ميراثهم القادم.
ثم عدت في الوقت المناسب تمامًا.
..
لأشاهد المفتاح يتوقف عن العمل.
لم يكن ذلك انتقامًا.
بل تصحيحًا.
فالمفتاح ليس حقًا يُولد به الأبناء.
والمنزل ليس وعدًا مؤجلًا لمن بدأوا يتعاملون مع والديهم كأصول مالية.
والأم ليست مشروع ميراث يمشي على قدمين.
لقد أحببت سيفًا قبل ذلك اليوم.
وأحببته بعده أيضًا.
لكن الحب تغير شكله.
لم يعد بابًا يستطيع فتحه متى شاء.
بل أصبح طريقًا عليه أن يسير فيه باحترام وصدق ويدين خاليتين من المطالب.
كان كريم يقول دائمًا إن المنزل المسدد ثمنه بالكامل هو الحرية الحقيقية.
ولسنوات ظننت أنه يقصد التحرر من الأقساط والديون.
أما الآن...
فأعرف أنه كان يقصد حرية الاختيار.
حرية البقاء.
وحرية الرحيل.
وحرية أن تترك رسالة واحدة فوق الطاولة...
ثم تأخذ حياتك إلى مكان لا يملك أحد مفتاحه.
اسمي أم سيف.
أبلغ من العمر واحدًا وسبعين عامًا.
وأعيش الآن قرب البحيرة.
في الصباح أشرب الشاي في الشرفة وأراقب الماء وهو يختار لونه كل يوم.
أحيانًا يزورني سيف.
وأحيانًا تركض ليلى نحو الرصيف الصغير وهي تحمل كنوز درجها الخاص داخل حقيبتها.
وأحيانًا أشتاق إلى المنزل القديم اشتياقًا
يؤلمني فعلًا.
لكن الألم يمر.
أما السلام الذي وجدته هنا...
فقد بقي.
ويبقى معه شيء واحد لا أسمح لأحد بأخذه مني مرة أخرى.
حقي في اختيار حياتي بنفسي.

تم نسخ الرابط