دون أن يدري ترك ابني المكالمه مفتوحه
المحتويات
بها طول سيف وهو صغير.
حتى إنها سألتني يومها إن كنت أرغب في إزالة ذلك الجزء قبل إتمام البيع.
فأخبرتها أن تتركه كما هو.
في ذلك الوقت ظننت أنني أتصرف بقوة.
لكنني، وأنا أقف الآن داخل ذلك المطبخ الفارغ...
أدركت أنني لم أترك خلفي جدرانًا وأثاثًا فقط.
لقد تركت خلفي النسخة من سيف التي ظللت أحاول إنقاذها سنوات طويلة.
ناولتني المالكة الجديدة الظرف.
ثم سألتني بهدوء
هل أنتِ بخير؟
نظرت حولي.
إلى المطبخ الفارغ.
إلى المكان الذي كان كريم يقف فيه كل صباح وهو يراقب إبريق الشاي.
إلى الزاوية التي جلس فيها سيف صغيرًا على مقعده المخصص للأطفال.
إلى الطاولة التي أعددت فوقها وجبات المدرسة.
وحلويات الأعياد.
وطعامًا كنت أرسله للجيران في أوقات المرض والعزاء.
هززت رأسي وقلت بصدق
لا.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وأضفت
لكنني حرة.
أومأت الشابة برأسها.
وكان ذلك أفضل رد يمكن أن تقدمه.
لم تقل إنها آسفة.
ولم تسألني إن كنت متأكدة.
اكتفت بالفهم.
وضعت يدي على سطح الطاولة للمرة الأخيرة.
وأغمضت عيني.
ثم همست
رحمك الله يا كريم.
واستدرت وغادرت.
كان منزلي الجديد أصغر بكثير.
لكنه أكثر هدوءًا مما تخيلت.
منزل بسيط يقع في طرف حي هادئ.
تطل نوافذه على الماء.
وتوجد أمامه شرفة صغيرة تتسع لكرسيين فقط.
لا غرفة طعام كبيرة لا يستخدمها أحد.
ولا غرف نوم مغلقة تتراكم فيها الأتربة.
ولا ممرات طويلة تحتفظ بأصداء المشاجرات القديمة.
ولا ابن يملك مفتاحًا للباب.
في الليلة الأولى هناك...
نمت تسع ساعات متواصلة.
لم أنم بهذا العمق منذ مرض كريم الأخير.
وعندما استيقظت في الصباح، كانت أشعة الشمس تمتد فوق الأرضية الخشبية.
ولثانية واحدة شعرت بالارتباك.
لم أعرف أين أنا.
ثم تذكرت.
بيتي.
مكاني.
وحياتي التي بدأت من جديد.
كان إبريق الشاي يغلي في المطبخ.
وفي الخارج كانت أصوات النوارس تعلو فوق صفحة الماء.
أعددت كوبًا من الشاي.
وجلست في الشرفة أراقب الصباح وهو يلون الأفق ببطء.
ولم يرن هاتفي.
وكان ذلك أجمل ما في الأمر كله.
أما سيف...
فلم يستسلم بسهولة.
حاول الوصول إليّ عبر البريد الإلكتروني.
وعبر الجيران القدامى.
وعبر بعض الأقارب.
بل وحتى عبر صديقه القديم منذ أيام الدراسة.
ولم أكن قد رأيت ليلى، حفيدتي الوحيدة، إلا مرات قليلة خلال الفترة التي سبقت كل ما حدث، وكان ذلك من أكثر الأمور التي آلمتني رغم محاولتي ألا أفكر فيه كثيرًا.
اتصل بي الرجل ذات يوم.
وبدا صوته مترددًا ومحرجًا.
ثم قال
سيف قلق عليك.
كمّلتها بنفس الأسلوب والفصحى والعادات العراقية، ومن غير إضافة على النهاية الأخيرة
سألته
هل هو قلق عليّ...
أم منزعج مما حدث؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال
ربما الأمران معًا.
أجبته
أخبره أنني بخير، وأنني أمثل نفسي قانونيًا، وأنني لا أستقبل أي رسائل منه.
بعد ذلك...
توقف عن الاتصال.
لكن أحلام حاولت طريقًا آخر.
نشرت منشورًا على مواقع التواصل الاجتماعي.
كلمات مختارة بعناية.
ونبرة بدت متعاطفة لمن يقرأها لأول مرة.
كتبت عن ألم رؤية أحد الوالدين يتخذ قرارات متسرعة تحت تأثير الحزن والتقدم في العمر.
لم تذكر اسمي.
ولم تكن بحاجة إلى ذلك.
فكل من يعرفنا فهم المقصود.
انهالت التعليقات.
دعوات.
كلمات مواساة.
ونصائح من أشخاص لا يعرفون شيئًا عن الحقيقة.
حتى إن أحدهم كتب
لهذا السبب يجب أن يمتلك الأبناء الوسائل القانونية المناسبة قبل فوات الأوان.
التقطت صورة للمنشور وكل التعليقات.
وأرسلتها إلى المحامية.
وخلال أربع وعشرين ساعة فقط...
تلقت أحلام إنذارًا قانونيًا يطالبها بحذف أي منشورات تتضمن تلميحات تمس أهليتي العقلية أو قدرتي على إدارة شؤوني.
فحذفت المنشور.
ثم قامت بحظري.
وكان ذلك هدية أخرى لم أطلبها.
بعد أسبوعين...
حضر سيف إلى مكتب المحامية.
ولم يكن وحده.
بل جاء برفقة محاميه.
أما أنا فاخترت حضور الاجتماع عبر اتصال مرئي من منزلي الجديد.
ليس خوفًا منه.
بل لأن المسافة أصبحت نعمة تعلمت أخيرًا الاستمتاع بها.
وعندما ظهر وجهه على الشاشة...
بدا مرهقًا.
أكبر سنًا.
وأقل بريقًا مما كان عليه في الصور التي نشرها أثناء رحلته.
وكان ذلك طبيعيًا.
فآثار السفر تزول سريعًا.
أما عواقب الأفعال...
فنادراً ما تزول بهذه السهولة.
نظر إليّ وقال
أمي...
لكنني لم أجب.
تدخل محاميه بعد لحظة وقال
نحن هنا لمناقشة بعض المخاوف المتعلقة ببيع المنزل العائلي مؤخرًا.
ابتسمت.
المنزل العائلي.
من المثير كيف يغيّر الناس اسم ممتلكاتك بمجرد أن يرغبوا في الحصول على حق فيها.
لكن المحامية ردت قبلي.
وقالت بهدوء
المنزل كان مملوكًا بالكامل لموكلتي، وقد تمت عملية البيع بصورة قانونية وصحيحة، كما أن جميع العوائد المالية أصبحت تحت سيطرتها الكاملة.
مال سيف إلى الأمام.
ونظر مباشرة إلى الكاميرا.
ثم قال
أمي...
أريد فقط أن أعرف أين أنتِ.
قلت بهدوء
لا.
ثم أضفت
أنت لا تريد معرفة مكاني.
أنت تريد استعادة الوصول إليّ.
اشتدت ملامحه فورًا.
وقال
هذا ليس منصفًا.
أجبته دون تردد
وكذلك لم يكن منصفًا أن تصفني
ارتبك للحظة.
ورأيته يشيح بنظره.
أما محاميه فالتفت إليه باستغراب.
ومن الواضح أن سيف لم يخبره بكل شيء.
لكن المحامية فعلت.
فقد دفعت مجموعة من المستندات عبر الطاولة نحوه.
وقالت
قبل أن نواصل الاجتماع، أعتقد أن من حق موكلك الاطلاع على بعض الوثائق التي تحتفظ بها موكلتي.
ثم تابعت
وتشمل هذه الوثائق تسجيلات صوتية، ومناقشات تتعلق بالوصاية القانونية، ومراسلات تتضمن اقتراحات بشأن التشكيك في أهليتها، بالإضافة إلى خطط مالية بُنيت على فرضية السيطرة على ممتلكاتها وإدارة شؤونها رغماً عنها.
أخذ المحامي الأوراق.
وبدأ يقرأ بصمت.
ومع كل صفحة كان وجهه يتغير أكثر.
لم يكن ذهولًا.
بل قلقًا مهنيًا حقيقيًا.
وربما كانت تلك أول مشاعر مفيدة تظهر على ذلك الجانب من الطاولة منذ بداية الاجتماع.
أما أحلام فلم تكن حاضرة.
وبالطبع لم تكن كذلك.
فأحلام كانت تفضّل دائمًا الغرف التي تُرتب فيها الحقيقة مسبقًا بما يناسبها.
رفع سيف عينيه نحو الشاشة.
ثم قال
كان ذلك حديثًا خاصًا.
أطلقت ضحكة قصيرة.
ثم قلت
لقد تركت تلك الكلمات في بريدي الصوتي بنفسك.
قال بسرعة
كنت أتنفّس عن ضغوطي فقط.
هززت رأسي.
وقلت
لا.
كنت تخطط.
بدت عيناه وكأن الدموع بدأت تتجمع فيهما.
لكن ليس بالقدر الذي كنت أنتظره.
قال
كنت أمر بظروف صعبة.
أجبته فورًا
وأنا أيضًا كنت أمر بظروف صعبة عندما كان والدك يصارع المرض.
ثم أضفت
لكنني لم أحاول يومًا الاستيلاء على منزلك.
فتح فمه.
ثم أغلقه دون أن يجد جوابًا.
وكان واضحًا أن تلك الكلمات أصابته في مكان لم يكن مستعدًا للدفاع عنه.
وهذا كان جيدًا.
تابعت حديثي
لم يكن لك ولا لأحلام أي حق في أن تقررا أنني لم أعد قادرة على العيش باستقلالية.
ولم يكن لكما أي حق في اتخاذ قرارات تخص حياتي لأن ممتلكاتي أصبحت فجأة ذات قيمة بالنسبة إليكما.
قال محاولًا المقاطعة
لم أقصد أن...
فقاطعته أنا هذه المرة.
بل قصدت.
ساد الصمت.
ثم نظرت إليه مباشرة.
وقلت
أنت فقط لم تتوقع أن أعرف.
خفض عينيه.
ثم قال بصوت خافت
لم أظن أنك ستبيعين المنزل.
ابتسمت ابتسامة خالية من الفرح.
وأجبته
لا.
أنت ظننت أنني سأستسلم.
وعاد الصمت من جديد.
هذه المرة كان أثقل من السابق.
وأخيرًا تكلم محاميه.
وقال بنبرة هادئة
السيدة أم سيف... موكلي يرغب في الحفاظ على علاقته بك.
حولت نظري نحو سيف.
ونظرت إليه طويلًا.
قلت وأنا أنظر إليه مباشرة
هل سيفعل حقًا؟
انكسر صوته وهو يجيب
نعم.
هززت
ثم قلت
إذن فليبدأ بقول الحقيقة.
لا عبر محاميه.
ولا عبر أحلام.
ولا عبر الأقارب.
بل الآن.
رفع يده ومسح وجهه.
بينما كانت المحامية تراقب بصمت.
أما محاميه فبدا شديد الانزعاج.
وكان ذلك مفهومًا.
فالحقيقة غالبًا ما تضع الناس في مواقف لا تستطيع الأوراق القانونية إنقاذهم منها.
رفع سيف عينيه نحو الكاميرا.
ثم قال
كنت أريد المنزل.
وأخيرًا...
خرجت الحقيقة.
صغيرة.
قبيحة.
لكنها حقيقية.
أومأت برأسي.
وقلت
وماذا أيضًا؟
ابتلع ريقه بصعوبة.
ثم قال
كنت أظن أنه يضيع هباءً.
تلك الجملة آلمتني.
ليس لأنني لم أتوقعها.
بل لأن سماع ابنك ينطق بصوت مرتفع بما كنت تخشى وجوده في داخله...
يشبه رؤية حجر يُلقى عمدًا في نافذة زجاجية قضيت عمرًا كاملًا تبنيها قطعة بعد قطعة.
ومع ذلك...
حافظت على هدوئي.
ولم أسمح لملامحي أن تتغير.
ثم كررت السؤال نفسه
وماذا أيضًا؟
وعندها...
بكى.
قال وهو يحاول السيطرة على صوته
كنت أظن أنه إذا استطعنا نقلك إلى مجمع سكني لكبار السن، فسنبيع المنزل، ونسدد ديوننا، ونبدأ أخيرًا بالتنفس.
استندت إلى مقعدي ببطء.
الديون.
بالطبع.
ها هي الحقيقة أخيرًا.
لم يكن الأمر متعلقًا بالخوف عليّ.
ولا بسلامتي.
ولا بمصلحتي.
بل بالديون.
سألته
كم تبلغ؟
خفض رأسه.
ثم قال بصوت خافت
حوالي مئتين ألف دولار.
توقفت المحامية عن تدوين ملاحظاتها.
أما محاميه فأغمض عينيه للحظة.
وكأنه تمنى لو لم يسمع تلك الإجابة.
ظللت أنظر إلى ابني.
ثم سألت
وكل هذه الديون جاءت من أين؟
أجاب بعد تردد
بطاقات ائتمانية.
ومشروع أحلام.
والسفر.
وتجديد المنزل.
وبعض الاستثمارات التي لم تنجح.
سألته
ورحلتكما الأخيرة؟
لم يجب.
لكنه لم يكن بحاجة إلى الإجابة.
فصمته قال كل شيء.
تذكرت أكياس التسوق التي كانت أحلام تحملها يوم عودتهما.
وتذكرت ابتسامتهما أمام باب المنزل.
وتذكرت أن كل ذلك كان ممولًا بديون كانا يخططان لدفنها تحت سقف بيتي.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
كنتما مستعدين لتصغير حياتي...
حتى تبقى حياتكما كبيرة.
غطى وجهه بيديه.
وقال بصوت متقطع
أنا آسف.
لكن ذلك لم يكن كافيًا.
ليس بعد.
ورغم ذلك...
ربما كانت تلك أول مرة أسمع فيها اعتذارًا صادقًا منه منذ سنوات طويلة.
صمتُّ للحظات.
ثم قلت
سيف...
رفع رأسه بسرعة.
ورأيت الأمل يلمع في عينيه.
أملًا صغيرًا.
هشًا.
سمحت له بالبقاء لثانية واحدة فقط.
ثم أكملت
أنا أحبك.
واتسعت عيناه.
لكنني تابعت قبل أن يتكلم
إلا أنني لن أخلط بعد اليوم بين محبتي لك...
وبين
في تلك اللحظة...
انهارت ملامحه بالكامل.
ثم قلت
إذا أردت التواصل معي، فسيكون ذلك برسالة ورقية واحدة كل شهر تُسلَّم عبر مكتب المحامية.
لا مكالمات.
لا رسائل إلكترونية.
لا زيارات.
رسالة واحدة فقط.
ثم نظرت إليه مباشرة وأضفت
وإذا تضمنت كذبًا، أو إلقاء لوم، أو ضغوطًا، أو حديثًا عن المال...
فسأتوقف عن قراءتها
متابعة القراءة