أرملة أخويا سابتلي بنتها الرضيعه
أخويا كان كاتب كل حاجة.
كل الأسماء.
كل الصفقات.
كل الناس اللي شاركوا في اللي حصل.
وأهم من كده
كان كاتب اعتذار.
اعتذار طويل لهبة.
وقال فيه
أنا جرّيتكم ورايا في حرب ماكانش ليكم ذنب فيها.
ولو رجع بيا الزمن
كنت اخترتكم أنتم بدل أي فلوس.
سكتنا دقائق طويلة.
ثم فتحت الدفتر الأسود.
وهنا كانت المفاجأة الأخيرة.
لأن الدفتر ما كانش مجرد مذكرات.
كان توثيق كامل لفساد ناس كبار جدًا.
أسماء.
وحسابات.
وتوقيعات.
وأدلة.
فهمت وقتها ليه كانوا بيدوروا عليه بكل الجنون ده.
وفهمت ليه أخويا دفع حياته تمن.
لكن المرة دي
ماكانش فيه خوف.
لأن الأدلة دي راحت للجهات المختصة.
وبعد شهور طويلة
اتفتحت قضايا جديدة.
وظهرت حقائق ماحدش كان يتوقعها.
أما أنا وهبة
فقررنا نقفل الصفحة أخيرًا.
مش علشان ننسى.
لكن علشان نعيش.
وفي يوم عيد ميلاد ملك الخامس
كانت بتجري في الجنينة وتضحك.
وفجأة وقفت بيني وبين أمها.
ومسكت إيدينا إحنا الاتنين.
وقالت
أنا عندي مامتين.
ضحكنا.
وقالت هبة
إزاي يعني؟
ملك ردت بكل براءة
ماما
وبعدين شارت ناحيتي.
وقالت
وماما اللي حمتني.
في اللحظة دي
بصيت لهبة.
ولقيتها بتبكي.
وأنا كمان.
لأننا عرفنا إن كل الوجع اللي فات
ما راحش هدر.
وإن الأمانة اللي سابها أخويا يوم ما رحل
وصلت لأهلها في الآخر.
لكن بعد عيد ميلاد ملك بأيام
حصلت حاجة صغيرة جدًا.
هي اللي قفلت الحكاية كلها.
كنت قاعدة في أوضة أخويا القديمة.
الأوضة اللي من يوم وفاته وإحنا تقريبًا ما غيرناش فيها حاجة.
صورته لسه على المكتب.
وساعته لسه في الدرج.
وكتاباته القديمة متكومة على الرفوف.
كنت برتب شوية حاجات قديمة قبل ما نقفل الشقة ونبيعها.
وفجأة لقيت ظرف صغير مستخبي جوه كتاب.
الظرف كان أصفر من الزمن.
ومكتوب عليه بخط أخويا
يفتح بعد ما ملك تكبر.
قلبي دق بقوة.
ناديت هبة.
وجت بسرعة.
وقعدنا جنب بعض.
وفتحنا الظرف.
كان جواه جواب واحد.
بس.
لكن أول ما شفت الخط
دموعي نزلت.
لأنها كانت آخر كلمات أخويا.
بدأت أقرأ بصوت عالي.
إلى هبة ونهى وإلى ملك لو كانت كبيرة بما يكفي تسمع الكلام ده.
لو وصل ليكم الجواب، يبقى ربنا كتب
هبة بدأت تبكي.
أما أنا فحاولت أكمل.
أول حاجة عايز أقولها إني آسف.
آسف إني دخلتكم في مشاكل أنتم مالكمش ذنب فيها.
وآسف على كل ليلة خوف عشتيها يا هبة.
وآسف يا نهى لو يوم خليتك تشيلي همي بدل ما أشيل همك.
وقفت لحظة.
لأن الدموع كانت مغرقة الورقة.
ثم أكملت.
أما ملك
فلو بتسمعي الكلام ده يومًا ما
أحب أقولك إن أبوكي كان بيحبك قبل ما يشوفك.
هبة شهقت وبكت أكتر.
وأنا بالكاد كنت قادرة أكمل القراءة.
كنت بقعد بالساعات أتخيل أول مرة هتشدي صباعي.
وأول مرة هتقولي بابا.
وأول يوم مدرسة.
وأول مرة أزعق لك فيها وترجعي تصالحيني.
لكن ربنا كتب حاجة تانية.
الصمت ملأ الأوضة.
حتى صوتنا اختفى.
كمل الجواب
بس لو أنا مش موجود
متزعليش.
لأن الإنسان مش بطول السنين اللي عاشها.
الإنسان بالناس اللي حبهم.
وأنتِ أكتر حد حبيته في الدنيا.
وقتها ما قدرتش أكمل.
هبة أخدت الجواب مني.
وكملت وهي بتبكي.
وأخيرًا
يا نهى.
أنا عارفك.
عارف إنك لو حصل لي حاجة هتبقي السند.
وعارف إنك عمرك ما هتخلي ملك تحتاج
ولو ده حصل فعلًا
يبقى أنا مشيت وأنا مطمن.
أول ما خلصنا القراءة
سكتنا.
دقايق طويلة.
ولا واحدة فينا عارفة تتكلم.
ثم هبة مسحت دموعها.
وقالت
كان عارف.
أنا هززت رأسي.
وقالت
كان عارف إنك هتعملي كده.
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت
وكان عارف إنك هترجعي.
بعد سنة.
كبرت ملك شوية.
وبقت تفهم أكتر.
وفي يوم سألتنا السؤال اللي كنا خايفين منه.
قالت
هو بابا كان عامل إزاي؟
أنا وهبة بصينا لبعض.
وبعدين قعدنا جنبها.
وقضينا ساعات نحكي.
عن ضحكته.
وعن طيبته.
وعن جنونه أحيانًا.
وعن حبه ليها قبل ما تتولد.
ولأول مرة
ملك ضحكت وهي تسمع عنه.
بدل ما تبكي.
وفي نهاية اليوم
أخدت صورة أخويا.
وحضنتها.
وقالت
أنا بحبك يا بابا.
يمكن هو ما سمعهاش.
أو يمكن سمعها بطريقة إحنا مانعرفهاش.
لكن في اللحظة دي
حسيت إن كل حاجة أخيرًا أخدت مكانها الصحيح.
هبة رجعت لبنتها.
واسم أخويا اتنظف من أي اتهام.
والخوف اللي عشنا فيه سنين انتهى.
أما ملك
فكبرت وهي عارفة الحقيقة.
وعارفة إن أبوها ما سابهاش بإرادته.
وإن في ناس حاربت علشان
وفي يوم وهي عندها عشر سنين
كتبت في موضوع تعبير بالمدرسة
العيلة مش بس الناس اللي بتولدك.
العيلة هي الناس اللي تفضل جنبك مهما حصل.
ولما قريت الجملة
بكيت.
لأنها لخصت كل اللي عشناه.
وأدركت إن الحقيبة اللي هبة سابتها على باب بيتي من سنين
ما كانتش نهاية حكاية.
كانت بداية عيلة جديدة.
عيلة اتبنت بالخوف.
واتثبتت بالصبر.
واكتملت بالحب
تمت