كذبت على أبي

لمحة نيوز

على الحائط.
ثم همست
فعلتها يا أمي.
ولم أنتظر إجابة.
لكن الصمت هذه المرة لم يكن مخيفًا.
بعد عدة أسابيع اتصل أبي من رقم غريب.
كنت مع محامي أمي وقتها.
ففتحت المكالمة على مكبر الصوت.
قال بصوت بدا أكبر من عمره
لا يمكنك تدميري بهذه الطريقة.
نظرت إلى النافذة.
ثم قلت
أنا لم أدمرك.
أنا فقط كشفت ما فعلته.
ساد الصمت.
ثم قال
أنا والدك.
قلت
لا.
أنت الرجل الذي انتظر أن أضعف حتى يأخذ مني كل شيء.
تنفس بغضب.
ثم قال
أمك ملأت رأسك بالأفكار.
ابتسمت بمرارة.
وقلت
أمي تركت لي بيتًا حتى لا أجد نفسي يومًا بلا مأوى.
ثم أغلقت المكالمة.
ولم ترتجف يدي.
وكان ذلك أكبر انتصار حققته.
ليس البيت.
ولا القضية.
ولا مجموع الثانوية.
بل قدرتي على إنهاء المكالمة دون أن أشعر أنني مدينة له بالطاعة.
ومع مرور
الوقت عاد البيت إلى الحياة.
طلّيت الجدران.
ونظفت الأرضيات القديمة.
وزرعت الريحان والياسمين في الشرفة.
وأصبحت أقضي صباحات الجمعة أرتب البيت وأشتري الزهور والفاكهة.
وكانت خالتي تعيش معي هناك.
وأحيانًا كانت مروة تأتي أيضًا.
في البداية كانت تجلس متوترة.
ثم بدأت تساعدني في ترتيب الأطباق.
وفي يوم أحضرت كعكة منزلية.
وجلست بجواري في الشرفة.
ثم سألتني
هل تعتقدين أن أمك كانت ستكرهني؟
فكرت في أمي.
في طيبتها.
وفي قلبها الذي كان يتسع للجميع.
ثم قلت
لا.
لكنها كانت ستوبخك كثيرًا.
ابتسمت مروة وسط دموعها.
وقالت
أستحق ذلك.
قلت
نعم.
ثم أعطيتها قطعة أخرى من الكعكة.
لأن وضع الحدود لا يعني أن يتحول الإنسان إلى حجر.
بل أن يختار من يسمح له بالجلوس إلى مائدته دون أن يخشى أن يسرق مقعده.
وبعد
عام كامل وصلتني رسالة رسمية تؤكد انتهاء جميع الإجراءات الخاصة بالمنزل.
وأصبح البيت محميًا بالكامل باسمي.
أما محاولة الاستيلاء عليه فقد أُبطلت نهائيًا.
جلست يومها في حديقة الجامعة.
وحولي عشرات الطلاب يتحدثون عن الامتحانات والأحلام والمستقبل.
فتحت هاتفي.
ووجدت صورة نتيجة الثانوية ما تزال محفوظة.
98 7.
نظرت إليها للمرة الأخيرة.
ثم نقلتها إلى الأرشيف.
لم أعد بحاجة إليها لأثبت لنفسي من أكون.
وفي أحد الأيام وجدت ظرفًا أمام باب المنزل.
بلا اسم مرسل.
فتحته.
فوجدت ورقة واحدة.
كانت من أبي.
كتب فيها
ربما أخطأت أكثر مما أستطيع إصلاحه.
وربما لن تسامحيني أبدًا.
لكنني أدرك الآن أنني خسرت ابنتي.
قرأت الرسالة مرتين.
لم أبكِ.
ولم أتصل به.
ولم أمزقها.
وضعتها داخل الصندوق الذي أحتفظ
فيه برسالة أمي وبقية الأوراق التي غيرت حياتي.
لأن بعض الاعتذارات تأتي متأخرة جدًا.
لا لتداوي الجرح.
بل فقط لتثبت أنه كان موجودًا.
في تلك الليلة أعددت كوبًا من القهوة.
وفتحت النوافذ.
وكان البيت يفوح برائحة المطر والتراب المبتل.
جلست في الشرفة.
وأخرجت رسالة أمي.
ثم أعدت قراءة السطر الأخير.
لا تتنازلي عن حقك أبدًا خوفًا من أحد.
ابتسمت.
لأنني لم أتنازل.
ولم أتوسل.
ولم أعد إلى الوراء.
وفي النهاية...
الفخ الذي نصبه أبي لتحطيمي علمني شيئًا لن يستطيع أحد انتزاعه مني أبدًا.
قد يرث الإنسان بيتًا.
لكن الأمان...
عليه أن يبنيه بنفسه.
وفي تلك الليلة أغلقت باب بيت أمي.
لا هاربة.
ولا خائفة.
بل مستقرة.
وكانت خالتي في الغرفة المجاورة ترتب بعض أغراضها وهي تدندن بصوت خافت.
ابتسمت.
لأن
البيت لم يعد مجرد جدران.
ولم يعد مجرد ميراث.
لقد أصبح منزلًا حقيقيًا من جديد.
ولأنني أخيرًا...
عدت إلى بيتي.

تم نسخ الرابط