كذبت على أبي
المحتويات
توجهنا إلى الشهر العقاري مع المحامي.
كانت المعاملة قد أُوقفت بسبب الاشتباه في المستندات.
وكان الموظف الذي اكتشف التناقضات ما يزال يحتفظ بالأوراق داخل الملف الرسمي.
وعلى المكتب كانت توجد مستندات التنازل التي حاولوا تمريرها.
بيت أمي.
ذلك المنزل القديم الذي تركته لي قبل وفاتها.
المنزل الواقع في أحد شوارع الإسكندرية الهادئة.
حيث الأشجار العتيقة الممتدة على جانبي الطريق.
وباعة الذرة والترمس في الصيف.
وصوت الأطفال العائدين من المدرسة.
والجيران الذين يعرف بعضهم بعضًا منذ سنوات طويلة.
المنزل الذي تعلمت فيه ركوب الدراجة.
والذي كانت أمي تجلس في شرفته كل مساء وهي تحتسي قهوتها.
المنزل الذي أرادوا تحويله إلى مال ينفقونه على أحلام شخص آخر.
بدأ المحامي يراجع الأوراق.
ثم أخرج وصية أمي.
وبطاقتي الشخصية.
والمستندات الخاصة بالعقار.
وأوضح أن أي تصرف قانوني في العقار يستلزم حضور المالك الحقيقي والتحقق من هويته، وأن أي محاولة لانتحال الشخصية أو تقديم مستندات مزورة تُعرّض أصحابها للمساءلة القانونية.
ساد الصمت.
وكان أبي ينظر إلى الأوراق أمامه دون أن ينطق بكلمة.
أما زوجته فكانت تتحدث بلا توقف.
وقالت بانفعال
هذا البيت من حق العائلة كلها.
إنها ما تزال صغيرة ولا تفهم شيئًا.
نظرت إليها.
وقلت
أتممت الثامنة عشرة.
وأتذكر جيدًا أكثر مما تتخيلين.
ارتجف صوتي في النهاية.
وكرهت أن يرتجف.
لكنني لم أصمت.
كانت مروة تجلس على أحد المقاعد في الممر.
ما تزال ترتدي فستان الحفل.
بدت وكأنها شخص ضل طريقه وسط كل هذا.
حدقت في والدتها طويلًا.
ثم قالت بصوت خافت
هل كنت أعلم؟
لم تكن تسألني.
بل كانت تسأل نفسها.
استدارت أمها نحوها بعصبية.
وقالت
فعلت كل هذا من أجلك.
فانفجرت مروة بالبكاء.
وقالت
لا تستخدمي اسمي لسرقة أحد.
بدت تلك الكلمات وكأنها صفعة حقيقية.
وأخفضت زوجة أبي رأسها للمرة الأولى.
في تلك الليلة بدأت الإجراءات القانونية رسميًا.
وتحررت المحاضر اللازمة.
وأُخذت أقوال الجميع.
ولم أعد أعرف كم كان من كلامهم حقيقة.
وكم كان مجرد محاولة للنجاة.
أما أنا...
فلم أشعر بالانتصار.
شعرت بالإرهاق فقط.
وكأن سنوات كاملة مرت فوق صدري في يوم واحد.
عند الثالثة فجرًا اصطحبتني خالتي إلى مقهى صغير لا يغلق أبوابه.
جلست أمام كوب من الشاي الساخن.
كانت خالتي تختار دائمًا الأماكن الأرخص.
أعرف أن راتبها البسيط من عملها بالكاد يكفي إيجار شقتها القديمة ومصاريف الشهر.
وكانت كثيرًا ما تؤجل شراء أي شيء لنفسها إذا ظهر مصروف مفاجئ.
حتى كوب الشاي الذي طلبته لنفسها كانت تتركه يبرد لتشربه على مهل، وكأنها تحاول أن تجعل القليل يكفي أكثر.
ومع ذلك لم تشتكِ يومًا.
ولم تتركني وحدي لحظة.
وأمسكت الظرف الذي يحوي أوراق أمي.
وقالت خالتي بهدوء
كانت أمك ستفخر بك.
هززت رأسي.
وقلت
لا.
كانت ستغضب كثيرًا.
ابتسمت خالتي بحزن.
ثم قالت
نعم... كانت ستفعل ذلك أيضًا.
في صباح اليوم التالي ذهبنا إلى البيت.
لم أستطع الانتظار أكثر.
كان مغلقًا منذ شهور.
تغطيه طبقة من الغبار.
وتحيط بالنوافذ نباتات متسلقة نمت وحدها طوال السنوات الماضية.
وقفت أمام الباب طويلًا.
ثم أخرجت المفتاح الذي احتفظت به خالتي طوال السنوات الماضية بناءً على وصية أمي.
لم أجرؤ يومًا على استخدامه.
كنت أخاف أن أدخل البيت وحدي قبل أن يحين الوقت.
أدرته ببطء.
ودخلت.
استقبلتني رائحة الخشب القديم.
والرطوبة.
والذكريات.
كان كل شيء تقريبًا في مكانه.
مكتبة أمي.
أكوابها المفضلة.
وصور قديمة معلقة على الجدار.
حتى النبتة الجافة التي كانت تضعها قرب النافذة ما تزال هناك.
مددت يدي ولمست الحائط.
وكأنني ألمس يدها.
وعندها فقط...
بكيت.
لم أبكِ بسبب أبي.
بل بسببها هي.
بسبب كل ما فعلته لتحميني حتى بعد رحيلها.
وبسبب قربهم الشديد من سرقة آخر شيء تركته لي.
تركتني خالتي أبكي حتى هدأت.
ثم أخرجت ظرفًا قديمًا من حقيبتها.
وقالت
أعتقد أن الوقت حان.
نظرت إلى الظرف.
فوجدت اسمي مكتوبًا بخط أمي.
شعرت بأنفاسي تتعثر.
فقالت خالتي بهدوء
أمك
وطلبت مني ألا أعطيه لك إلا بعد أن تكملي الثامنة عشرة.
فتحت الظرف بحذر.
كانت الرسالة قصيرة.
لكنها غيّرت شيئًا بداخلي إلى الأبد.
ابنتي هدى...
إذا كنت تقرئين هذه الرسالة الآن فهذا يعني أنك أصبحت راشدة، وأن البيت صار بين يديك.
لم أتركه لك لأنه يساوي مالًا.
بل لأن المرأة تحتاج دائمًا إلى مكان لا يستطيع أحد أن يطردها منه.
قد يبدو بعض الناس لطفاء عندما يريدون شيئًا.
وقد يصبحون قساة عندما لا يحصلون عليه.
لا تخلطي بين صلة الدم والحب.
ولا تخلطي بين الجدران والبيت.
ادرسي.
سافري.
عودي.
افعلي ما تشائين.
لكن لا تتنازلي عن حقك أبدًا خوفًا من أحد.
أمك.
أعدت قراءة السطر الأخير ثلاث مرات.
لا تتنازلي عن حقك أبدًا خوفًا من أحد.
ثم ضممت الرسالة إلى صدري.
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا مهمًا.
أمي لم تترك لي منزلًا فقط.
بل تركت لي طريق نجاة.
واستمرت التحقيقات لأشهر طويلة بعد ذلك.
استدعاءات.
ومحامون.
وأقوال شهود.
ورسائل غاضبة من بعض الأقارب.
كانوا يقولون
الأب يخطئ أحيانًا.
لا يجوز أن تقفي ضد عائلتك.
حظرت معظمهم.
أما أبي فأصبح التواصل معي يتم من خلال المحامين فقط طوال فترة التحقيقات.
واختفت زوجته لفترة طويلة.
ثم عادت وكأن شيئًا لم يحدث.
تنشر عبارات عن النجاح والقوة.
وصور القهوة الباهظة.
وكأن بعض الأشخاص يعتقدون أن الأقنعة تستطيع إخفاء الحقيقة إلى الأبد.
وخلال تلك الفترة أصرت خالتي على البقاء معي.
قالت إن البيت الكبير لا يجب أن تسكنه فتاة بمفردها.
كانت شقتها القديمة ما تزال بنظام الإيجار القديم، لذلك أبقتها كما هي.
واكتفت بقضاء معظم وقتها معي في بيت أمي.
ونقلت أغراضها الأساسية إلى إحدى الغرف.
وأصبح بيت أمي بيتنا معًا.
كانت ترتدي المعطف نفسه الذي أعرفه منذ سنوات.
وكانت حقيبتها القديمة مهترئة عند الأطراف.
ومع ذلك لم أشعر يومًا أن هناك شخصًا أغنى منها قلبًا.
بعد أسبوع وصلتني رسالة من مروة.
هل يمكن أن أقابلك؟
فكرت في تجاهلها.
هي لم تضع الخطة.
لكنها عاشت سنوات طويلة مستفيدة من كل ما كنت أخسره أنا دون أن تسأل نفسها يومًا من أين جاءت كل تلك الامتيازات.
التقينا في أحد المقاهي المطلة على كورنيش الإسكندرية.
كان المكان مزدحمًا بالعائلات والشباب.
وباعة الذرة يتحركون على الكورنيش.
ورائحة القهوة تمتزج بهواء البحر.
وصلت مروة دون مساحيق تجميل.
وبدت أصغر من عمرها.
جلست أمامي وقالت مباشرة
لم أكن أعرف شيئًا عن موضوع الشهر العقاري.
نظرت إليها.
وقلت
لكنك كنت تعلمين أنهم يعاملونني بطريقة مختلفة.
أخفضت رأسها.
ثم قالت
نعم.
شعرت بالارتياح لأنها لم تكذب.
فسألتها
ولماذا لم تقولي شيئًا؟
مسحت دموعها.
وقالت
لأنك كنتِ العبء... وأنا كنت الوعد.
وكنت أخاف أن أخسر ذلك.
آلمني كلامها.
لأنني فهمته.
لم أبرره.
لكنني فهمته.
قلت
لا أستطيع أن أكون ملجأك الآمن.
هزت رأسها.
وقالت
لا أطلب منك ذلك.
ثم أخرجت علبة صغيرة من حقيبتها.
ووضعتها أمامي.
فتحتها.
فتوقفت أنفاسي.
كان خاتم أمي.
الخاتم الذي كانت زوجة أبي ترتديه أحيانًا وكأنه ملك لها.
قلت بدهشة
من أين أتيتِ به؟
قالت
كان محفوظًا داخل صندوق مجوهرات قديم في غرفة أمي.
أخذته قبل أن تلاحظ اختفاءه.
غادرتِ البيت؟
أومأت برأسها.
وقالت
أقيم عند جدتي من جهة أمي الآن.
عندما عرفت بما حدث فتحت لي باب بيتها فورًا.
لا أريد المال.
ولا الحفلات.
ولا أي شيء تم شراؤه على حساب حقك.
أخذت الخاتم.
وكانت يداي ترتجفان.
وقلت
شكرًا.
قالت
لا تسامحيني الآن.
فقط...
اتركي لي فرصة لأتعلم كيف لا أكون مثلهم.
لم أجب.
لكنني لم أغادر.
جلسنا صامتتين نراقب الناس على الكورنيش.
الأطفال يركضون.
والباعة ينادون على بضاعتهم.
والحياة تمضي وكأنها لا تعرف شيئًا عن الآباء الذين يختارون المال على بناتهم.
بعد أسابيع جاء موعد التقديم للجامعة.
ذهبت وحدي.
ولم أمانع ذلك.
عندما سلمت أوراقي وأتممت إجراءات القيد، ابتسم الموظف وقال
مبروك يا بنتي.
أنتِ مقبولة.
توقفت عند تلك الكلمة.
مقبولة.
ليست عبئًا.
وليست مشكلة.
وليست وسيلة للحصول على شيء.
مقبولة.
خرجت من المبنى وأنا أحمل أوراقي.
وشعرت للمرة الأولى أن حياتي أصبحت تخصني أنا.
في تلك الفترة كنت أقيم مع خالتي في بيت أمي.
كانت قد نقلت جزءًا من أغراضها بالفعل.
وفي إحدى الليالي علقت صورة أمي
متابعة القراءة