حماتي كانت معزومه ٢
علاء وصل قدامي، شاف الموبايل في إيدي وشاف علامات الرعب على وشي، وقف مكانه ونظرته اتغيرت. الرنة كانت مستمرة، صوت الرينج تون بيجرح هدوء الشط، وأنا واقفة متجمدة، لا قادرة أرد ولا قادرة أقفل.
علاء ساب الأكياس على الرملة، وقرب مني بهدوء من غير ما ينطق، مد إيده وأخد الموبايل من إيدي، فضل باصص للشاشة ببرود وهو مستني الرنة تقف لوحدها.. والتوتر في أعصابي كان واصل لدرجة إني حاسة إني هقع من طولي.
أول ما الموبايل سكت، علاء ضغط بإصبعه على زرار الإغلاق وقفل موبايلي تماماً.. مش بس كده، ده طلع موبايله هو كمان من جيبه، وبكل ثبات انفعالي، عمل نفس الحركة وقفل موبايله هو كمان.
بصيتله بذهول، عيوني وسعت من الصدمة
أنت.. أنت بتعمل إيه؟ دي لو عرفت إننا قافلين الموبايلات هتولع فينا لما نرجع! أنت مش خايف؟
بصلي بنظرة كلها ثقة، وكأنه رامي كل هموم الدنيا ورا ضهره، شدني من إيدي وقعدني على الكرسي اللي فرشه على الرمل، وابتسامة هادية اترسمت
يا ولاء، إحنا هنا عشان ننسى، مش عشان نستنى العقاب. طول ما الموبايلات مفتوحة، هي هتفضل محوطانا في يومنا. سيبك منها دلوقتي، واستمتعي بالبحر، لأننا النهاردة.. إحنا مش موجودين لأي حد.
قعد قدامي، فتح أكياس الفطار وبدأ يحضر الأكل للعيال، كأنه مفيش 35 بني آدم مستنيين في بيتنا، وكأنه مش هو اللي كان لسه بيقولي سيبي الموضوع ده عليا.
سألت بصوت واطي ومتردد
طيب والضيوف؟ والناس اللي في البيت؟ هنعمل إيه لما نرجع؟
رفع عينه في عيني وهو بيناولني ساندوتش
لما نرجع، هنبقى نفكر. لكن دلوقتي، مفيش غيرنا إحنا والولاد والبحر.. كلي يا ولاء واهدي، صدقيني، الليلة دي هتكون أول ليلة في حياتنا بنقرر فيها إننا نعيش لنفسنا، مش للناس.
فضلت باصة لعلاء وأنا مش مستوعبة، الضمير في قلبي بيأنبني وفي نفس الوقت حاسة بنشوة غريبة لأول مرة. قعدت على الرملة وجنبي العيال بيلعبوا، ومسكت الساندوتش بس مش عارفة أبلعه من كتر التفكير.
قطعت الصمت ده وقلتله
يا
علاء سكت للحظة، شرب بق مية وبص للبحر بتأمل، وبعدين التفت ليا وبنبرة واثقة وهادية جداً قال
يا ولاء، يا حبيبتي، افهميني.. أمي مش صغيرة، دي ست قوية وعارفة الدنيا بتمشي إزاي كويس جداً. هي اللي حطت نفسها في الموقف ده وهي اللي تخرج منه.
بصيتله باستغراب تقصد إيه؟ إنها عارفة تتصرف؟
هز رأسه بتأكيد وهو بيكمل
بالظبط. أمي لما لقتني مش موافق على العزومة دي، عملت اللي في دماغها، يبقى هي اللي تتحمل النتيجة. هي عارفة كويس إني بشتغل وتعبان، وعارفة إن ظروفنا متسمحش، ومع ذلك أصرت.. يبقى لازم تتعلم إن فيه حدود للتدخل في بيتي. صدقيني، هي مش هتقف مكتوفة الأيدي، هتلاقي ألف حل وحل عشان ترفع راسها قدام نسايبها، يمكن تطلب أكل من بره، يمكن تتصرف وتجيب أي حاجة.. المهم إنها في الآخر هتفهم إن وليد مش شطرنج بتلعبه
حسيت بكلماته بتطمني، كأنها بتشيل حمل تقيل من على كتافي. كملت كلامها وهي بتهز رجلها بتوتر
يعني إحنا مش هنرجع نلاقي مصيبة؟
ضحك ضحكة صافية، مد إيده ومسك شعري ورا ودني وقال
أكبر مصيبة هي إننا نعيش حياتنا بنرضي الناس على حساب سعادتنا. ارتاحي بقى، وسيبي ماما تتعامل.. هي ست مدبرة وعارفة كويس إنها غلطت في حقي وحقك، والدرس ده هو اللي هيخليها تحترم خصوصيتنا بعد كده.
غمضت عيني وأنا باخد نفس عميق، وفعلاً لأول مرة من سنين، حسيت إن أنا وعلاء بقالنا كيان لوحدنا، بعيد عن تحكمات ماما. بس الفضول فضل ياكلني.. يا ترى هي فعلاً عرفت تتصرف؟ ولا هي دلوقتي بتولع في البيت من الغيظ؟
حماتي كانت في البيت في موقف لا تحسد عليه، ماشية في الشقة زي الأسد المحبوس، وشها أحمر من كتر الغيظ وكل دقيقة تبص في الساعة، والضيوف من بلد بنتها قربوا يوصلوا.
طلعت الموبايل للمرة المليون، رنت على علاء.. مقفول. رنت عليّ أنا.. مقفول.
رمت الموبايل