طردت ابني إلى الشارع
طريقه.
سكت.
كان ضجيج الشارع يحيط بنا باعة، سيارات، شرطي يمر ببطء، ورائحة زيت مقلي وغبار. بغداد لا تتوقف حتى يقرر ابن إن كان يريد إنقاذ نفسه.
بعد قليل قال
أمي سألت عني؟
قلت
كل يوم.
انكسر وجهه.
هل هي غاضبة؟
قلت
هي تتعلم.
بدا أن هذه الجملة آلمته أكثر من أي توبيخ.
وافق أن يذهب.
ليس عن اقتناع.
بل من التعب.
أحيانًا تبدأ الحياة هكذا ليس بالشجاعة، بل بالإنهاك.
كانت الأيام الأولى قاسية جدًا.
كان علي يتصل بنا وهو يبكي.
ثم يغضب.
ثم يهدد أن يترك المكان.
كانت أم علي ترتجف كلما رن الهاتف. أجلس بجانبها وأكرر لها
اسمعي، لكن لا تنقذيه.
كانت تغمض عينيها وتتنفس بصعوبة.
في جلسات العلاج الأسري قالوا لنا كلامًا موجعًا.
قالوا إننا وضعنا الحب في مكان كان يجب أن توضع فيه الحدود.
وخلطنا بين توفير الحياة وبين التربية.
وإن علي تعلم التلاعب لأننا نحن علمناه أن التلاعب ينفع.
خرجت من إحدى الجلسات وأنا أريد أن أترك كل شيء.
لحقت بي أم علي على الرصيف.
قالت
لا تذهب.
قلت
أنا متعب.
قالت
وأنا أيضًا. لكن إذا ذهبنا، سنعود إلى نفس الدائرة.
نظرت إليها.
كانت زوجتي تبدو أكبر عمرًا.
لكنها أيضًا بدت أكثر وعيًا.
احتضنتها.
ليس كما كنت أفعل سابقًا لأخفي المشكلة.
بل لأننا أخيرًا صرنا واقفين في جهة واحدة.
مرت ثلاثة أشهر.
حصل علي على عمل في مخزن مواد غذائية
في أحد أيام الأحد جاء ليأكل معنا.
ليس ليعيش.
ليأكل فقط.
أعدت أم علي مرق لحم ورزًا. وأنا رتبت الخبز على الطاولة. كانت المائدة متوترة، كأننا نجلس فوق زجاج رقيق.
دخل علي بشعر قصير وكيس في يده.
وضعه أمام أمه.
قال
هذه أقراطك.
تجمدت أم علي.
ماذا؟
قال
أخرجتها من الرهن. ما زال عليّ أن أعيد أشياء أخرى.
فتحت العلبة الصغيرة.
كانت أقراط أمها هناك، تلمع بهدوء، صغيرة وقديمة ومنتقذة من الضياع.
بكت أم علي.
لم يقترب علي ليعانقها.
قال فقط
آسف.
لم يكن اعتذارًا جميلًا.
لم ترافقه موسيقى.
ولم يصلح كل شيء.
لكنه كان أول كلمة نظيفة تخرج من فمه منذ وقت طويل.
ثم أخرج شيئًا آخر.
المثقاب.
قال
وهذا أيضًا.
نظرت إليه.
وماذا عن حاسوبي؟
خفض رأسه.
هذا باعه مازن فعلًا. سأدفع ثمنه.
قلت
نعم.
تفاجأ لأنني لم أقل لا يهم.
لأنه كان يهم.
وكان يجب أن يهم.
أكلنا بصمت تقريبًا.
وعندما نهضت أم علي لتسكب له المزيد من المرق، أوقفها.
قال
أنا أقوم.
بقيت واقفة والمغرفة في يدها، كأنها لا تعرف ماذا تفعل بهذه الحركة.
أخذ علي طبقه، دخل المطبخ، وسكب لنفسه.
انسكب قليل من المرق على الطباخ.
في الماضي كان سيصرخ أمي.
هذه المرة أخذ قطعة قماش.
ومسح المكان.
نظرت
لم يعد إلى البيت تلك الليلة.
ذهب إلى غرفته الصغيرة التي استأجرها مع اثنين من زملائه في العمل، في حي بسيط بعيد قليلًا عن بيتنا. لم تكن جميلة. لم تكن مريحة. لكنها كانت تخصه بقدر ما كان يدفع ثمنها من تعبه.
قبل أن يخرج، توقف عند الباب.
قال
أبي.
قلت
نعم؟
قال
ذلك اليوم... عندما أخرجتني...
انتظرت.
قال
كرهتك.
قلت
أتخيل.
قال
وما زال الأمر يؤلمني.
قلت
وأنا أيضًا.
شد على فكه.
ثم قال
لكن لو لم تفعلها، أظن أنني لم أكن لأتوقف.
أطلقت أم علي شهقة بكاء.
نظر إليها علي.
قال
أمي، لا تنقذيني مرة ثانية إذا عدت أستغلّكم.
بكت وهي تضع يدها على فمها.
لا تقل ذلك.
قال
قوليها أنتِ.
تأخرت أم علي.
طويلًا.
لكنها في النهاية قالت
لن أنقذك إذا عدت تؤذينا وتستغلنا.
أغمض علي عينيه.
كأن تلك الجملة باب يُغلق، وباب أصعب يُفتح في الوقت نفسه.
قال هامسًا
شكرًا.
ثم خرج.
بقي البيت صامتًا.
لكن لم يعد ذلك الصمت المريض القديم.
كان صمتًا متعبًا.
وفيه مساحة للتنفس.
في تلك الليلة غسلنا الصحون معًا. هي كانت تضع الصابون، وأنا أشطف. في الخارج كان صوت بائع متجول يمر بعيدًا، ومن إحدى الشقق وصل صوت مباراة كرة قدم على التلفاز.
سألتني أم علي
هل تظن أنه قد يعود للسقوط؟
قلت
ممكن.
وماذا نفعل؟
قلت
الشيء نفسه. نحب دون أن ننحني.
نظرت إليّ.
كانت
قالت
وصفتك بالوحش لأنني تركتك تطرده.
قلت
وأنا أيضًا وصفت نفسي بالوحش لأنني فعلتها.
سألت
وهل نحن كذلك؟
فكرت في علي وهو يحمل صناديق الطماطم. وفي قدميه الحافيتين أمام السوبرماركت. وفي أم علي وهي تستعيد أقراطها. وفي بيتنا دون صوت ألعاب يملأ الليل.
قلت
لا أعرف. لكن أحيانًا يضطر الأب أن يغلق الباب حتى يجد الابن بابه.
بعد عام، كان علي ما يزال يعمل.
لم تصبح القصة مثالية.
عاد إلى الرهانات أكثر من مرة. تأخر في دفع إيجار غرفته مرتين. طلب منا المال مرة، وقلنا له لا. غضب، اختفى أسبوعين، ثم عاد إلى العلاج.
وأكمل أيضًا الدراسة التي تركها في السابق.
في ذلك اليوم أرسل لنا صورة شهادته.
بكت أم علي فوق الهاتف.
أما أنا فكتبت له
فخور بك. استمر.
حذفت كلمة ابني ثلاث مرات قبل أن أرسل الرسالة.
ثم كتبتها.
لأنها كانت حقيقية أيضًا.
في آخر مرة جاء فيها ليأكل معنا، أحضر المشروبات بنفسه.
وكانت باردة.
وضعها على الطاولة وابتسم بخجل.
قال
حتى لا يطردني أحد مرة ثانية.
ضحكت أم علي.
وضحكت أنا أيضًا.
ليس كما كنا نضحك في الماضي.
ليس ببراءة.
بل بضحكة فيها أثر جرح قديم.
صب علي المشروب في الأكواب.
أولًا لأمه.
ثم لي.
ثم لنفسه.
ذلك الترتيب الصغير كان يساوي ألف خطبة.
وأنا آكل، نظرت إلى ابني.
لم يعد ذلك الشاب المتمدد على
ولم يصبح رجلًا جديدًا بالكامل.
كان شخصًا يتعلم أن يحمل وزنه بنفسه.
وفهمت أن تلك الليلة، ليلة الأكياس السوداء، لم أخرج ابني من البيت كي أفقده.
أخرجته حتى تلحق