طردت ابني إلى الشارع

لمحة نيوز


علاقة. عندي رسائل تطلب فيها منه أن يبيع أغراضي وأن يسحب المال من زوجتي. وإذا أردت، نكمل الكلام في مركز الشرطة.
اختفت ابتسامة مازن.
قال
هذه مشكلته هو. أنا ما أجبرته على شيء.
نظر إليه علي مصدومًا.
ماذا؟
قال مازن ببرود
نعم. لا تعمل نفسك ضحية.
هناك رآه علي.
ربما لأول مرة.
الصديق الذي كان يناديه أخي ما دام المال موجودًا، تركه فجأة ككيس فارغ.
ابتلع علي ريقه.
مازن...
قال مازن
لا يوجد مكان لك عندي إذا لم تجلب المال.
ثم مشى بسرعة، والتفت مرة واحدة فقط قبل أن يختفي في آخر الشارع.
بقي علي واقفًا.
مع أكياسه السوداء.
بلا جهاز تحكم.
بلا شاشة.
بلا أم تركض لإنقاذه.
قلت
هيا.
لمعت عيناه.
إلى البيت؟
قلت
لا.
إذن إلى أين؟
قلت
ستنام عند عمك رمضان. لديه فراش في مخزن الورشة. غدًا عند الخامسة صباحًا يذهب إلى علوة جميلة لجلب البضاعة. ستذهب معه.
ضحك علي ضحكة مرة.
مستحيل.
قلت
إذن ابحث عن مكان تنام فيه.
استدرت.
لم أخطُ ثلاث خطوات حتى سمعت صوته.
أبي.
توقفت.
ليس بسبب الكلمة.
بل بسبب نبرتها.
منذ سنوات لم يقل أبي دون سخرية.
قال بصوت منخفض
أشعر بالبرد.
نظرت إلى السماء السوداء.
ثم إليه.
قلت
ارتدِ السترة الموجودة في الكيس.
قال
لا أملك جوارب.
أخرجت مبلغًا صغيرًا من محفظتي وأعطيته له.
للجوارب وقطعة خبز. ليس للرصيد. ليس للرهانات.

ليس لمازن.
أخذ المال بغضب.
أنت قاسٍ جدًا.
قلت
نعم. هذه الليلة نعم.
أخذته إلى رمضان.
أخي لديه ورشة قرب منطقة شعبية مزدحمة، بين رائحة الزيت والحديد والقهوة القديمة. رجل لا يعرف الكلام الناعم كثيرًا، لكنه يظهر عندما يحتاجه الإنسان.
عندما دخل علي وهو يحمل أكياسه، لم يسأل رمضان شيئًا.
فقط أشار إلى فراش في آخر المخزن.
تنام هنا. الحمام على اليمين. أوقظك الرابعة والنصف.
قال علي
أنا لن أعمل معك.
رفع رمضان حاجبه.
إذن لا تنام هنا.
نظر علي إليّ.
لم أنقذه.
في تلك الليلة عدت إلى البيت وحدي.
كانت أم علي مستيقظة في الصالة، تمسك مسبحتها بين أصابعها رغم أنها منذ سنوات لم تكن تصلي كما كانت في الماضي.
سألتني فورًا
أين هو؟
قلت
عند رمضان.
هل أكل؟
قلت
لا أعرف.
قالت بقلق
كيف لا تعرف؟
قلت
أم علي، عمره اثنان وعشرون عامًا. إذا كان جائعًا، عليه أن يقول ذلك دون أن يهين أحدًا.
أرادت أن تجادل.
لكنها سكتت.
كان الصمت غريبًا.
لم يكن سلامًا.
كان أشبه بانسحاب شيء من أجسادنا.
لأن بيتنا أيضًا كان مدمنًا علي مدمن أخذ، وأم علي مدمنة إنقاذ، وأنا مدمن صبر حتى الانفجار.
في الرابعة صباحًا رن هاتفي.
كان رمضان.
قال
أيقظته.
سألته
وماذا فعل؟
قال
شتمني، لكنه يلبس حذاءه.
أغلقت الهاتف.
ولم أستطع منع دموعي.
جلست في المطبخ وحدي، ويديّ المتورمتان
فوق الطاولة. في الخارج بدأت أصوات المدينة الأولى سيارات، كلاب، عمال يخرجون قبل طلوع الشمس، ناس لا يملكون رفاهية النوم الطويل.
ناس مثلي.
ومثل أم علي.
ومثل كثيرين لا وقت لديهم ليبقوا على أريكة بحجة الضياع، لأن الإيجار لا يرحم.
عند السابعة، أرسل رمضان صورة.
كان علي يحمل صناديق طماطم في علوة جميلة. وجهه غاضب، قميصه مبلل بالعرق، وعيناه منتفختان من قلة النوم. خلفه حركة عمال، شاحنات، أكياس، صراخ باعة، وأكوام خضار وفاكهة كأن المدينة كلها تأكل بفضل ظهور أولئك المتعبين.
رأت أم علي الصورة وبكت.
مسكين.
أخذت الهاتف من يدها بهدوء.
وقلت
ونحن أيضًا كنا مساكين.
ذهبت ذلك اليوم إلى عملي وصدري ثقيل.
في الطريق، كانت الحافلة مزدحمة. عمال، طلاب، نساء يحملن أكياسًا، ورجل ينام وهو واقف من التعب. نظرت إلى يديّ وفكرت في علي. في كم كان سهلًا أن نعطيه كل شيء حتى لا يتعب. وفي كم كان غاليًا علينا أن نمنعه من التعب.
عندما عدت في الليل، كانت أم علي قد أعدت شوربة.
لشخصين فقط.
هذا التفصيل كسر شيئًا داخلي.
أكلنا بلا تلفاز.
بلا صراخ ألعاب.
بلا صحون مرمية.
كان البيت أوسع.
وأحزن.
قالت فجأة
اليوم اتصلت بمركز استشارة أسرية.
نظرت إليها.
لماذا؟
قالت
طلبت مساعدة نفسية.
لم أعرف ماذا أقول.
شدت على الملعقة بيدها.
ليس لعلي. لي أنا.
عندها أمسكت
يدها.
فبكت بهدوء.
قالت
لا أعرف كيف أقول له لا يا أبو علي. عندما كان طفلًا ويبكي، كنت أحمله فيهدأ. أظن أنني بقيت عالقة هناك. كأنني ما زلت أستطيع حمله كلما بكى.
قلت
لكنه أصبح ثقيلًا جدًا.
قالت
أعرف.
كانت هذه أول مرة أسمعها تعترف بذلك.
تحمل علي ثلاثة أيام عند رمضان.
وفي اليوم الرابع رحل.
لم يخبر أحدًا.
لم يرد على الهاتف.
كادت أم علي تفقد عقلها.
وأنا أيضًا خفت، لكنني لم أقل لها ذلك. بحثنا في المستشفيات، سألنا المعارف، مررنا على مواقف السيارات والأسواق والأماكن التي قد يذهب إليها. ولا أثر له.
في اليوم السادس ظهر.
ليس في البيت.
بل في مكان عملي.
جاء بنفس الملابس، أنحف من قبل، بعينين غائرتين، ورائحة شارع لا تُنسى.
وجدني عند باب الخروج.
قال
أنا جائع.
لم يعتذر.
قال فقط إنه جائع.
اشتريت له لفتين فلافل من عربة قريبة.
أكلهما بصمت.
ثم مسح فمه بظهر يده.
وقال
مازن سرق حذائي.
قلت
وماذا كنت تتوقع؟
خفض عينيه.
نمت ليلتين في الشارع.
الأب داخلي أراد أن يحتضنه.
والرجل المتعب داخلي أراد أن يقول له قلت لك.
لم أفعل لا هذا ولا ذاك.
قلت
يوجد مكان تستطيع أن تنام فيه. لكن ليس في البيت.
قال
مرة ثانية عند عمي؟
قلت
لا. مركز دعم للشباب الذين لديهم مشاكل رهانات وسلوكيات مؤذية. سألت عنه. يوجد علاج وجلسات. إذا قبلت، نذهب الآن.
ضحك
بلا قوة.
يعني صرت مريضًا؟
قلت
لا أعرف ماذا أنت يا علي. الذي أعرفه أنك تكذب، وتؤذي، وتغرق. الاسم يضعه المختص.
نظر إليّ بحقد.
لن أذهب.
قلت
إذن أنهِ أكلك، وكل واحد يذهب في
 

تم نسخ الرابط