بعد طلاقي بخمس شهور
بعد طلاقي بخمس شهور شوفت طليقتي بالصدفة قاعدة لوحدها في كافيه صغير، وأول ما عيني جت على بطنها الكبيرة حسيت إن الأرض سحبت نفسها من تحت رجلي.
عمري ما تخيلت إني هشوفها بالشكل ده تاني.
كانت لابسة فستان واسع باهت، وقاعدة في آخر الكافيه ماسكة كوب شاي بإيديها الاتنين، وعينيها تايهة وكأنها شايلة هم الدنيا كلها فوق قلبها.
لكن اللي جمد الدم في عروقي
إنها كانت حامل.
دي كانت مريم.
طليقتي.
الست اللي طلقتها من خمس شهور بس.
اسمي كريم، عندي 34 سنة، موظف عادي جدًا، بحاول أعيش حياة هادية وخلاص.
أنا ومريم اتجوزنا خمس سنين.
للناس كنا شكلنا مثالي.
بيت هادي.
حب.
ضحك.
خطط لمستقبل جميل.
لكن الحقيقة إن حلمنا الأكبر كان بيتكسر حتة حتة.
كنا نفسنا في طفل.
بس بعد سنين من المحاولات وتحاليل ودكاترة ودموع
الأمل بدأ يموت جوانا.
مريم اتغيرت.
بقت هادية زيادة عن اللزوم.
الحزن بقى ساكن في عينيها.
وأنا؟
هربت للشغل.
بقيت أرجع متأخر، أدفن نفسي في الضغط، وأتجنب أي كلام ممكن يفكرني إن بيتنا بقى مليان صمت.
الخناقات بينا زادت.
على أتفه الأسباب.
لحد الليلة اللي كل حاجة انتهت فيها.
بعد خناقة طويلة ومرهقة
قولتلها وأنا مكسور
يمكن الطلاق هو الحل.
بصتلي وقت طويل أوي.
وبعدين سألتني بهدوء وجعني
إنت خلاص بطلت تحبني؟
ماعرفتش أرد.
وسكوتي كان كفاية.
الطلاق تم بسرعة.
أسرع
وبعدها كل واحد راح في طريق.
أنا نقلت لشقة صغيرة في القاهرة، وعشت بروتين ميت
شغل.
أكل بارد.
سهر لوحدي.
ونوم بصعوبة.
وبرغم الوحدة
كنت بحاول أقنع نفسي إني أخدت القرار الصح.
لحد اليوم ده.
كنت داخل كافيه صغير قريب من الشغل
ولمحتها.
مريم.
في الأول ماعرفتهاش.
كانت أضعف.
أهدى.
ومتغيرة جدًا.
لكن لما عيني نزلت على بطنها
اتجمدت.
حامل.
وقفت مكاني مش قادر أتنفس.
إزاي؟
ومين؟
ومن إمتى؟
قربت منها ببطء.
مريم؟
رفعت عينيها بسرعة.
الصدمة ظهرت على وشها.
كريم
القصة كاملة في أول تعليق متنساش تصلي علي النبي سكتنا الاتنين لحظة كأن الكافيه كله اختفى وبقى فيه إحنا بس.
عينها اتعلّقت في وشي، وبعدين بسرعة نزلت على الأرض، كأنها بتحاول تهرب من اللحظة.
أنا بصيت على بطنها تاني وبعدين رفعت عيني إنتِ حامل؟
ما ردتش.
بس إيدها ارتجفت حوالين الكوباية.
قعدت قدامها من غير ما أستأذن، كرسي صغير في نص وجع أكبر من أي كلام.
مين الأب؟
السؤال خرج مني أسرع من تفكيري.
رفعت عينيها فجأة، وفيها حاجة مش واضحة خوف؟ غضب؟ ولا وجع قديم؟
ليه بتسأل؟
سكت.
وبعدين قلت بصوت أوطى عشان خمس شهور يا مريم خمس شهور بس.
ابتسمت ابتسامة مرّة أيوه خمس شهور كفاية أحيانًا عشان الحياة تبدأ من جديد.
الكلمة دي ضربتني في صدري.
تبدأ من جديد.
أنا اللي سبتها وأنا اللي كنت فاكر إن كل
بس واضح إن حياتها ما انتهتش هي بس غيرت شكلها.
قربت أكتر وقلت إنتِ نزلتي بعد الطلاق بشهرين؟
ما ردتش.
بس دمعة نزلت بسرعة ومسحتها كأنها متأخرة عن موعدها.
في اللحظة دي حسّيت بإحساس غريب مش غيرة خوف.
خوف حقيقي.
مريم قولي الحقيقة.
بصتلي أخيرًا، وقالت بصوت واطي إنت مش جاهز تسمعها.
قلبي دق بسرعة إسمع إيه؟
سكتت لحظة طويلة وبعدين قالت الجملة اللي خلتني أرجع لورا على الكرسي
أنا كنت حامل قبل ما نطلق أصلًا.
العالم وقف.
الكلمة ما دخلتش ودني بس دي كسرت حاجة جوايا.
هزيت راسي لأ لأ ده مستحيل إحنا كنا بنحاول سنين!
قالت بهدوء موجع وأنا عرفت متأخر في نفس الأسبوع اللي إنت قلت فيه الطلاق.
سكتت.
وبعدين كملت قولتلك بس إنت ما سمعتنيش.
بصيت لها مش قادر أستوعب إنتِ كنتِ حامل وساكتة؟
رفعت عينيها لأول مرة بثبات كنت خايفة أفرح قبل ما أنت تخلي الفرح ده يضيع تاني.
سكتنا.
صوت الكافيه حوالينا رجع تدريجيًا الملاعق، الكراسي، الكلام
بس أنا كنت لسه واقف عند نفس اللحظة.
لحظة إن ممكن أكون سبت بيتي
وسبت حياة كانت بدأت من غير ما أعرف قعدت مكاني ومش قادر أبلع ريقي.
كل حاجة جوايا كانت بتتشد في نفس الاتجاه لوم، صدمة، ووجع متأخر.
بصيت لها تاني يعني أنا اللي ضيّعت ده كله؟
هزّت راسها بسرعة ما تلومش نفسك لوحدك يا كريم.
سكتت لحظة، وبعدين كملت إنت كنت
قربت إيديها من بطنها، كأنها بتحميه من الكلام نفسه.
أنا بصيت للحركة دي وقلبي اتكسر تاني طب ليه ما قولتيش؟ كنت هبقى جنبك!
ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة وأنت كنت جنب مين وقتها؟
السؤال خبطني في وشي.
ماقدرتش أجاوب.
لأني افتكرت نفسي في الشهور الأخيرة قبل الطلاق مشغول، غايب، ساكت، بعيد حتى وأنا موجود.
سكتت شوية، وبعدين قالت بهدوء أنا ما كنتش عايزة طفل ييجي في بيت فيه شخصين بيتنفسوا بس من غير ما يعيشوا.
الكلمة دي كانت أصدق من أي اتهام.
سكتنا الاتنين.
وبعدين قلت بصوت واطي هو هتكملّي؟
بصتلي باستغراب تكمل إيه؟
الحمل.
هزّت راسها طبعًا.
سكتت لحظة، وبعدين أضافت ده مش ذنب حد ده رزق.
الكلمة دي كسرتني أكتر من أي لوم.
رزق.
حاجة أنا كنت جزء منها وخرجت منها بإيدي.
قمت من مكاني بهدوء ممكن أشوفك؟
رفعت عينيها بسرعة تشوفني إزاي؟
سكت.
وبعدين قلت مش ك زوج ك أب.
الصمت قعد بينا ثواني طويلة.
وبعدين قالت بهدوء أنا مش ضدك يا كريم بس أنا محتاجة أمان مش ذكريات.
هزيت راسي وأنا هحاول أبقى أمان.
بصتلي نظرة طويلة، مش موافقة ولا رافضة نظرة حد بيقيس صدقك مش كلامك.
وبعدين قالت لو هتكمل في الطريق ده يبقى من غير ضغط، ومن غير وعود كبيرة.
سكتت.
وبعدين أضافت خليك موجود بس.
وقفت قدامها، وأنا أول مرة أحس إن كلمة موجود تقيلة
ومشيت من الكافيه
بس المرة دي مش نفس الشخص اللي دخل.
اللي خرج كان لسه بيتعلم يعني إيه ما تضيعش حاجة كانت قدامه وهو شايفها