بعد طلاقي بخمس شهور

لمحة نيوز


الكلمة دي كانت صادقة لدرجة وجعتني.
وقتها قلت مش هنوعد بعض بحاجة كبيرة.
سكتت.
كملت بس نعمل حاجة صغيرة كل يوم.
بصتلي زي إيه؟
قلت نكون صادقين حتى لو الحقيقة تقيلة.
هزّت راسها اتفقنا.
الأيام اللي بعدها، بدأت أزور مريم بانتظام.
مش زي قبل لا زي شخصين بيبنوا علاقة جديدة على أنقاض قديمة.
كنت أجيب أكل بسيط،
أقعد جنبها، نحكي عن حاجات تافهة الشارع، الناس، أسماء محتارة للأولاد.
وفي مرة قالت أنا اخترت اسم للبنت.
ابتسمت إيه؟
قالت نور.
سكت لحظة.
بعدين قلت حلو.
وبعدين ضحكت وولد؟
قالت وهي بتفكر لسه.
ضحكت مستنيك تشارك.
وفي اللحظة دي حسّيت بحاجة غريبة
مش حب جديد.
لكن حب بيحاول يرجع يتعلّم يمشي من تاني.
وفي ليلة، موبايلها رن.
ردت، وبعدين بصتلي فجأة.
وشها اتغيّر.
سألتها بسرعة في إيه؟
قالت بصوت واطي الدكتور عايزنا نروح المستشفى دلوقتي.
قلبي وقع.
ليه؟!
سكتت ثانية.
وبعدين قالت الجملة اللي قلبت اللحظة كلها
في حاجة في النبض مش مستقرة.


وصلنا المستشفى في وقت ما كان الليل ساكت بشكل يخوف.
الطرقات بيضا وباردة، وريحت المطهرات خانقة، وكل خطوة كأنها بتدق جوه صدري.
مريم كانت ماشية ببطء، وإيديها ماسكة بطنيها كأنها بتحاول تهدي الطفلين بنفسها.
أول ما دخلنا، الممرضة أخدتها بسرعة للفحص.
وأنا؟
فضلت واقف برا الأوضة، لأول مرة في حياتي حاسس إني عاجز بالشكل ده.
كل ثانية كانت طويلة.
سمعت صوت الأجهزة من جوه.
صوت الدكتور.
وصوت مريم الواطي وهي بتحاول تسأل حاجة مش سامعها.
وبعدين الباب اتفتح.
الدكتور خرج، ووشه هادي بشكل خلاني أخاف أكتر.
قالي إحنا محتاجين نتصرف بهدوء واحد من التوأم نبضه بينزل ويرجع يطلع، وفي احتمال نحتاج تدخل سريع لو الوضع ما استقرش.
حسيت الدنيا بتلف.
سألته بسرعة يعني في خطر؟
بصلي لحظة، وقال لسه بدري نقول بس الضغط النفسي والإرهاق مأثرين جدًا.
بصيت من ازاز الأوضة على مريم.
كانت مغمضة عينيها، وإيديها فوق بطنها، ووشها مرهق بشكل عمري ما شفته.
وفي اللحظة
دي فهمت حاجة واحدة
الخوف الحقيقي مش إنك تخسر حد.
الخوف الحقيقي إنك تكون اتأخرت في حبه.
دخلت لها بهدوء.
فتحت عينيها أول ما حسّت بيا.
قربت منها وقلت أنا هنا.
بصتلي ثواني طويلة، وكأنها بتتأكد إني مش هختفي.
وبعدين سألتني بصوت مكسور لو حصل حاجة هتكرهني؟
الكلمة قطعتني.
قربت أكتر وقلت بسرعة متقوليش كده.
دموعها نزلت أخيرًا. أنا تعبت يا كريم تعبت من الخوف.
مسكت إيديها لأول مرة من شهور من غير تردد. خلاص شيلنا الخوف لوحدنا كتير.
سكتت. وبعدين همست خايفة أخسرهم.
هزيت راسي وأنا بحاول ما انهارش وإحنا هنفضل جنبهم مهما حصل.
فضلت ماسك إيديها طول الليل.
لا أنا نمت.
ولا هي.
كل شوية الدكتور يدخل يطمننا، وكل مرة كنت ببص على الشاشة الصغيرة اللي فيها نبض طفلين لسه ما شافوش الدنيا.
وفجر اليوم اللي بعده
الدكتور دخل أخيرًا بابتسامة خفيفة.
قال النبض استقر.
أول ما سمعتها، حسيت رجليا ضعفت فعلًا.
مريم غمضت عينيها وبكت.
وأنا ضحكت وسط دموعي
لأول مرة من سنين.
الدكتور قال إننا محتاجين راحة وهدوء ومتابعة دقيقة، لكن الخطر المؤقت عدّى.
بعد ما خرج، فضلت أنا ومريم ساكتين.
الشمس كانت بتطلع خفيفة من شباك الأوضة.
بصتلي فجأة وقالت فاكر أول مرة قولتلي فيها إنك نفسك تبقى أب؟
ابتسمت بحزن كنت فاكر الأبوة يعني طفل يناديني بابا.
قالت بهدوء لا الأبوة إنك تفضل واقف حتى وإنت مرعوب.
الكلمة دخلت جوايا بهدوء غريب.
بعد أسبوع، خرجت مريم من المستشفى.
والمرة دي
رجعنا البيت سوا.
مش كزوجين رجعوا بسهولة.
ولا كناس نسيت وجعها.
رجعنا كاتنين فهموا إن الحب مش لحظة حلوة
الحب إنك تفضل موجود وقت الخوف، وقت التعب، ووقت ما الحياة تبقى أثقل من القلب.
وفي ليلة هادية بعد شهور،
كنت قاعد جنب سريرين صغيرين جدًا.
طفلة نايمة بهدوء
وولد صغير قابض على صباعي كأنه خايف أختفي.
مريم وقفت جنب الباب تبص علينا.
وقالت بابتسامة دافية اخترت اسم الولد خلاص.
رفعت عيني إيه؟
قالت كريم.
ضحكت وسط دموعي ليه؟
قربت،
وبصتلي نظرة عمري ما هنساها عشان لما يكبر يعرف إن أبوه اتعلم متأخر، بس عمره ما مشي تاني.

تم نسخ الرابط