اخذتني حماتي إلى البنك
أخذتني حماتي إلى البنك لتسجيل ثروة ضخمة باسمي، لكن موظفة الصرافة مررت لي ورقة صغيرة مكتوب فيها اهربي وهنا فقط فهمت أن زوجي لم يكن مصدومًا كما كان يدّعي.
قالت لي حماتي، سعاد الحديدي، وهي تجلس أمامي داخل غرفة خاصة في أحد بنوك القاهرة الجديدة بابتسامة ناعمة كأنها تخفي خلفها سكينًا
إذا وقّعتِ على هذه الأوراق يا مريم، ستنام العائلة كلها بسلام وأنتِ ستتوقفين عن التصرف كأنك ضيفة في هذا البيت.
على الطاولة كانت هناك مستندات رسمية، وأقلام فاخرة، وملفات مختومة من الشهر العقاري، بالإضافة إلى شيك ضخم بقيمة لم أستطع حتى نطقها بصوت عالٍ 17 مليار جنيه.
كان هذا المال هو حصيلة بيع مختبرات الحديدي، الشركة الدوائية التي بنتها عائلة زوجي خلال 40 عامًا. هكذا كانوا يقولون دائمًا في كل مناسبة عائلية.
زوجي سامي كان يقول إننا أخيرًا سنبدأ حياة هادئة. لكن في الأشهر الأخيرة، لم يعد هادئًا أبدًا كان قليل النوم، يخرج ليجيب مكالمات سرية، وإذا دخلت مكتبه يغلق اللابتوب بسرعة كأنه يخفي جريمة.
حماتي كانت تبرر ذلك دائمًا
هذا توتر يا ابنتي الرجال الحساسون لا يتحملون صفقات بهذا الحجم.
في ذلك الصباح جاءتني دون سابق إنذار، بسيارة فاخرة، ونظارة سوداء، وبدلة أنيقة بيضاء.
ارتدي شيئًا لائقًا قالت وهي تنظر
في البنك، كانوا يعاملونها وكأنها شخصية سياسية كبيرة. المدير خرج لاستقبالها بنفسه، وأدخلونا إلى غرفة فخمة تطل على المدينة. كنت أشعر أنني لا أنتمي إلى هذا المكان.
الموظفة المسؤولة عن الإجراءات كانت شابة اسمها ليلى، هادئة الملامح، تراجع الأوراق دون أن ترفع عينيها كثيرًا.
هل سيكون الحساب باسمكما معًا؟ سألت.
أجابت حماتي قبل أن أتكلم
لا، باسم واحدة فقط مريم عبد الله السيوفي.
شعرت بقبضة في معدتي.
باسمي أنا فقط؟ سألت باستغراب.
وضعت يدها الباردة فوق يدي وقالت
مؤقتًا فقط هذا ترتيب قانوني، والمحامون راجعوه.
ثم بدأت الأوراق تتزايد تعهدات، مسؤولية قانونية، تحويلات مالية ضخمة، وشروط معقدة تجعل أي شخص عادي يتوقف عن القراءة.
وقّعي هنا يا مريم كانت تقول لي.
نادَتني مريم الاسم الذي تستخدمه فقط عندما تريدني أن أطيع.
وقّعت عدة أوراق، ليس كلها لكن كثيرًا منها.
كانت ليلى تراقب يدي كلما أمسكت القلم. في صفحة مميزة بعلامة صفراء قرأت أنني أصبحت مسؤولة قانونيًا عن كل الأموال.
ماذا يعني هذا؟ سألت.
أجابت حماتي بسرعة
مجرد مصطلحات بنكية لا تعقدي الأمور.
ثم وقفت فجأة
سأذهب إلى الحمام لا تبدأوا بدونّي.
تركت حقيبتها على الكرسي، وكان الشيك داخلها.
بمجرد خروجها، كتبت ليلى شيئًا على ورقة صغيرة ومررتها لي تحت الطاولة.
قالت بصوت عادي
سقط منك هذا يا فندم.
فتحت الورقة تحت الطاولة.
كلمة واحدة فقط
اهربي
تجمد الدم في عروقي. نظرت إليها عيناها كانت هادئة لكن مليئة بالتحذير. أشارت بسرعة إلى الأوراق، ثم إلى كاميرات المراقبة، ثم إلى باب الخروج.
وقفت وأنا أضع يدي على بطني
آسفة أشعر أنني سأُغمى علي.
قالت ليلى بهدوء
الحمامات في الخلف.
لكنها أشارت بيدها بشكل خفي نحو الباب الزجاجي للخروج.
مشيت ببطء، والحارس سألني إن كنت بخير. أومأت دون أن أتنفس.
بمجرد خروجي من البنك، ضربتني حرارة القاهرة في وجهي. مشيت قليلًا، ثم قليلًا آخر وعندما تأكدت أن لا أحد يراقبني، خلعت حذائي وبدأت أركض.
لم أتصل بسامي.
ذهبت مباشرة إلى بيت والدي في الزمالك. فتحت أمي الباب، وعندما رأتني حافية ومرتبكة ومرعوبة لم تسأل شيئًا. أعطيتها الورقة.
قرأتها.
وجهها شحب فجأة.
هل سعاد أخذتك إلى البنك؟
قبل أن أجيب، خرج أبي من المطبخ. كان محاسبًا جنائيًا متقاعدًا. نظر إلى الورقة ثم إليّ وقال بجدية صادمة
لا تتصلي بسامي.
وفي تلك اللحظة فقط فهمت أن كلمة اهربي لم تكن مجرد تحذير بل كانت بداية شيء أخطر بكثير.
الجزء الثاني
لم أستوعب كلام أبي في البداية.
لا تتصلي بسامي.
كرّرها
سألت بصوت مرتجف
يعني إيه الكلام ده؟ هو في إيه؟ ليه أهرب من البنك؟ وليه حماتي تعمل كده؟
أمي جلست بجانبي بسرعة، تمسك يدي
يا بنتي، إنتِ دخلتي نفسك في إيه؟
لكن أبي لم يجب مباشرة. بدلًا من ذلك، أخذ هاتفه واتصل بشخص لم أسمع اسمه من قبل.
جهّز لي ملف الحديدي بسرعة.
ثم أغلق الهاتف وقال
اللي حصل ده مش توقيع أوراق عادي. ده نقل مسؤولية قانونية لفلوس مش نظيفة أو على الأقل فلوس فيها مشكلة كبيرة.
شعرت أن الأرض تميل بي.
يعني سامي عارف؟
نظر لي نظرة طويلة قبل أن يقول
السؤال الحقيقي هل هو جزء من الموضوع؟ ولا مجرد غطاء؟
في تلك اللحظة، رنّ هاتفي.
اسم سامي.
تجمدت.
أمي همست
ما ترديش
لكن الشاشة استمرت في الإضاءة. مكالمة وراء مكالمة. ثم رسالة واحدة
رجعِي البنك فورًا. في سوء فهم.
أبي أخذ الهاتف من يدي، قرأ الرسالة، ثم أغلق الجهاز تمامًا.
خلاص كده بدأوا يتحركوا.
في المساء، لم نخرج من البيت.
أبي أغلق الستائر، وطلب من أمي عدم فتح الباب لأي أحد. ثم جلس أمامي وقال بصوت منخفض
عيلة جوزك مش بس رجال أعمال يا مريم دول عندهم علاقات أكبر من البنك نفسه.
سألته
والموظفة ليلى ليه ساعدتني؟
هنا
لأن في ناس جوه المنظومة نفسها بدأت تخاف.
تذكرت عينيها الطريقة اللي