فقدت زوجتي أثناء ولادتها لابنتي
إلى ابنتي طويلًا قبل أن أجيب
ابنتنا.
خرجت الكلمة هذه المرة بسهولة غريبة.
ابتسمت العجوز ابتسامة حزينة، ثم لمست السوار بخفة وقالت
إذن يبدو أن دعاءها وصل.
قطبتُ حاجبي.
أي دعاء؟
قالت
كانت تقول إنها لا تخاف أن تكبر الصغيرة دون أم
بل كانت تخاف أن يبتلع الحزن قلب أبيها.
خفضتُ بصري دون رد.
ثم وجدتُ نفسي أطلب منها سوارًا آخر.
سوارًا لي أنا.
ربطته حول معصمي بثلاث عقد صغيرة وهي تتمتم
عقدة للراحلة
وعقدة للصغيرة
وعقدة لك حتى لا تضيع أنت أيضًا.
غادرتُ السوق بعدها وأنا أحمل مزنة بصمت.
ولم أعد أشعر أنني أحمل عبئًا
بل أشعر أنني أحمل الشيء الوحيد الذي أبقاني واقفًا.
وقادتني قدماي إلى مسجد عتيق قريب من النيل.
لم أذهب لأنني كنت أبحث عن معجزة
بل لأنني تعبت من مقاومة الحزن وحدي.
دخلتُ الساحة الخارجية وجلستُ في آخر الصفوف، بينما كان صوت القرآن يخرج هادئًا من الداخل.
كانت هناك عائلات تدخل وتخرج
ورجال يوزعون الماء
وأطفال يركضون فوق البلاط الساخن.
أما أنا
فجلست فقط أضم مزنة إلى صدري.
ولأول مرة منذ وفاة مريم، لم أشعر أنني أهرب من حزني
بل أحمله معي وأواصل الطريق.
نظرتُ إلى ابنتي وهمست
ادعِ لها يا مزنة وقولي لها إنني أحاول.
وفي تلك اللحظة، رفعت مزنة عينيها نحوي.
ثم ابتسمت.
لم تكن ابتسامة كبيرة
مجرد انحناءة صغيرة خاطفة عند طرف شفتيها.
لكنها شقت شيئًا عميقًا داخلي دفعة واحدة.
ضحكتُ معها رغم دموعي.
وشعرتُ فجأة أن مريم لم تترك لي طفلة فقط
بل تركت لي سببًا يجعلني أستيقظ كل صباح بدل أن أختفي.
وفي تلك اللحظة، عاد صوت مريم إلى رأسي من التسجيل القديم
لا تنادِها بالطفلة يا إدريس اسمها مزنة.
توقفتُ عن التنفس للحظة.
ثم تذكرت بقيّة كلماتها
اخترتُ هذا الاسم لأن مزنة تعني المطر الذي يأتي بعد الجفاف وكنتُ أشعر دائمًا أنها ستأتي بشيء جديد إلى حياتنا، حتى لو جاءت وسط
نظرتُ إلى الصغيرة بين ذراعيّ.
كانت عيناها الواسعتان تحدّقان بي بصمت
وأنفاسها الدافئة تضرب عنقي بخفة.
ابتلعتُ غصّة حارقة، ثم همستُ للمرة الأولى
مزنة
جرحتني الكلمة في البداية
ثم شعرتُ بشيء داخلي يلتئم ببطء، كأن صوت مريم أعاد قطعة ضائعة من روحي إلى مكانها.
واستمر التسجيل، متقطعًا أحيانًا بسبب ضعف البطارية
ستشعر برغبة في لوم نفسك يا إدريس لا تفعل.
وستشعر برغبة في لوم الأطباء
أو لوم أمي
أو حتى لوم القدر
وربما تلومني أنا أيضًا.
افعل ذلك إن احتجت.
ابكِ
واصرخ
واغضب
لكن لا تلُمها هي.
ضممتُ مزنة إلى صدري أكثر دون أن أشعر.
وكانت الصغيرة قد توقفت عن البكاء تمامًا، كأنها تنصت لصوت أمها.
ثم قالت مريم بصوت مرتجف بالكاد ثبت
لقد قاتلت ابنتنا لتعيش تمامًا كما قاتلتُ أنا.
وإذا كنت تسمع هذا التسجيل عند الثالثة واثنتي عشرة دقيقة فجرًا فذلك لأن هذا كان الوقت الذي سمعتُ فيه بكاءها لأول مرة.
وفي اللحظة نفسها
أدركتُ أن ابنتنا نجت.
وأدركتُ أيضًا
أنك لن تبقى وحدك بعدي.
ثم انقطع التسجيل للحظات
وعاد صوتها أضعف من قبل
لا تنادِها بالطفلة يا إدريس
اسمها مزنة.
اخترتُ هذا الاسم لأن المطر يأتي أحيانًا بعد أقسى الجفاف
وأنت تحتاج المطر أكثر مما تظن.
أغلقتُ عيني بقوة.
وشعرتُ بدموعي تسقط فوق شعر ابنتي الصغير.
مرّت الشهور ببطء
لكن البيت لم يعد يشبه المقبرة الصامتة التي عشتُ فيها بعد وفاة مريم.
لم أتخلص من كل أغراضها
ولم أحتفظ بكل شيء أيضًا.
أبقيتُ ثوبها الأصفر معلقًا خلف باب الغرفة، لا كي أتعذب كلما رأيته
بل لأنه يذكرني أننا كنّا سعداء فعلًا يومًا ما.
وفي غرفة مزنة، رسمتُ غيوماً غير متناسقة فوق الجدران بيدي أنا.
وكان الرسم سيئًا جدًا
حتى إن أمي ضحكت عندما رأته وقالت
هذه غيوم أم بطاطس يا إدريس؟
فضحكتُ معها لأول مرة دون شعور بالذنب.
وعلّقتُ صورًا كثيرة.
مريم
مريم تأكل الذرة المشوية عند منتصف الليل
مريم نائمة ويدها فوق بطنها
مزنة والحليب يملأ ذقنها
مزنة وهي تعصر إصبعي بكل قوتها
وتحت كل صورة كتبتُ جملة واحدة
لقد جئتِ مع العاصفة لكنكِ بقيتِ مثل مزنة.
لم يختفِ الذنب تمامًا.
أحيانًا، عندما تبكي مزنة طوال الليل، ويهزمني الإرهاق بعد أيام بلا نوم، كنتُ أشعر بذلك الظل القديم يتحرك داخلي من جديد.
ذلك الصوت القاسي نفسه
وذلك التعب نفسه
وفي بعض الليالي، كنتُ أضعها في سريرها وأخرج إلى الممر لدقائق قصيرة فقط حتى ألتقط أنفاسي
ثم أعود إليها فورًا مذعورًا، كأنني تركتها وحدها ساعات طويلة.
لكنني في كل مرة كنتُ أنظر إلى السوار الأحمر حول معصمها
ثم إلى السوار المربوط حول يدي
وأتنفس ببطء.
وأهمس
ليس ذنبكِ
كنتُ أقولها لها
لكنني في الحقيقة كنتُ أتعلم كيف أقولها لنفسي أيضًا.
في أول مرة ارتفعت فيها حرارة مزنة، فقدتُ صوابي تمامًا.
حملتها وركضتُ بها إلى المستشفى، وأنا أحمل بطانية وحقيبة صغيرة وزجاجة الحليب، كأنني ذاهب إلى حرب لا أعرف كيف أخرج منها حيًا.
كنتُ مرعوبًا بطريقة لم أعرفها من قبل.
فحصتها الطبيبة بهدوء، ثم قالت
مجرد التهاب خفيف لا تخف.
وعندها فقط أدركتُ أنني كنتُ أبكي أمامها.
قلتُ بصوت مكسور
أمها ماتت في المستشفى
وضعت الطبيبة قلمها ونظرت إليّ طويلًا.
لم تقل
اهدأ.
لأن بعض الخوف لا يهدأ بهذه الكلمة.
قالت فقط
حسنًا
إذن سنشرح لك كل شيء خطوة خطوة.
وفعلت.
علمتني كيف أقيس حرارتها
وكيف ألاحظ تنفسها
ومتى أقلق فعلًا ومتى يكون خوفي مجرد أثر قديم للحزن.
وعندما عدنا إلى البيت تلك الليلة
كانت مزنة نائمة فوق صدري، وأنفاسها الصغيرة تداعب عنقي، بينما كنتُ أحدق في سقف الغرفة المظلم.
وعندها فقط فهمت الحقيقة التي هربتُ منها طويلًا.
أنا لم أكره ابنتي يومًا.
ما كرهته حقًا
أنها احتاجتني في وقت
وأن حياتها أجبرتني على الاستمرار
بينما كنتُ أريد أن أتوقف مع مريم.
وأن زوجتي تركت بين ذراعيّ أجمل دليل على أن الحب لا يُدفن مع الموتى.
حين أتمّت مزنة عامها الأول، احتفلنا في البيت.
جاءت أمي
وجاءت الحاجة آمنة
وامتلأت السفرة بالعصيدة واللحم والشاي والقهوة السودانية.
علّقنا بالونات صفراء في غرفة الجلوس لأن مريم كانت تعشق هذا اللون.
أما مزنة
فجلست أمام الكعكة بجدية مضحكة، ثم غرست يدها الصغيرة فيها وكأنها تخوض معركة حقيقية.
انفجر الجميع بالضحك
وأنا أيضًا ضحكت.
ضحكة كاملة هذه المرة.
ليست مكسورة
ولا مجبرة
ضحكة رجل أدرك أخيرًا أنه لم ينجُ من الحزن لأنه نسي
بل لأنه تعلّم كيف يحمل الحب معه ويعيش.
وبعد أن غادر الجميع منزلنا تلك الليلة
جلستُ على الأرض بجوار مزنة.
كان شعرها ملطخًا بالكريمة، وعيناها نصف مغمضتين من النعاس.
خارج النافذة، كانت أمطار خفيفة تضرب زجاج البيت بهدوء يشبه الهمس.
أمسكتُ يدها الصغيرة، ونظرتُ إلى السوار الأحمر حول معصمها، ثم قلتُ مبتسمًا بتعب
أمكِ كانت محقّة يا مزنة
لقد أعدتِ الحياة إلى هذا البيت فعلًا.
فتحتُ هاتف مريم القديم.
كانت بطاريته تضعف يومًا بعد يوم، لكنه ما زال يعمل، كأنه يتمسك بشيء لم ينتهِ بعد.
شغّلتُ آخر مقطع لها.
ظهرت مريم على الشاشة، بثوبها السوداني الأزرق، وابتسامتها المتعبة التي أحببتها دائمًا.
قالت بصوت هادئ
مرحبًا يا مزنة
تجمّدت ابنتي فجأة.
زحفت نحو الهاتف ببطء، ثم لمست الشاشة بكفها الصغيرة الملطخة بالكريمة.
وهمست بصوت غير واضح
ماما
توقف كل شيء داخلي.
لا أعرف إن كانت قالتها فعلًا
أم أن قلبي المرهق أراد سماعها فقط.
لكنني ضممتها بقوة حتى أصدرت تذمرًا خافتًا، فضحكت وسط دموعي وقلت
آسف يا حبيبتي
آسف.
نعم
هذه أمك.
وفي تلك الليلة، حملتُها إلى سريرها الصغير قرب النافذة المطلة على أزقة أم
رفعت يدها الصغيرة نحوي كما فعلت في تلك الليلة الأولى.
وكان السوار الأحمر قد ضاق حول معصمها قليلًا.
تأملتُه طويلًا
ثم قبّلت يدها وهمست
شكرًا لأنكِ بقيتِ معي.
نظرت إليّ بعيني مريم نفسها
ثم أغمضت جفنيها ببطء.
لم تكن هناك معجزات.
لا أصوات قادمة من العالم الآخر.
ولا
رسائل سحرية جديدة.
فقط صوت تنفس ابنتي
ولأول مرة منذ وفاة مريم، لم أشعر أن ذلك الصوت يعذبني.
بل شعرتُ أنه يحييني.
أطفأتُ المصباح وجلست قرب سريرها.
ليس خوفًا من أن أفقدها
بل لأنني أحببت النظر إليها وهي نائمة.
ثم همستُ أخيرًا، بصوت لم يعد يرتجف كما كان
أنا هنا يا مزنة.. أبوكِ هنا.