فقدت زوجتي أثناء ولادتها لابنتي
ملامحها للمرة الأولى دون أن أهرب.
وعندما انتهت، حملتها إلى كتفي كما كانت أمي تفعل مع أطفال العائلة.
ربّتُّ على ظهرها بخفة، وبعد لحظات خرجت منها تجشؤة صغيرة مضحكة.
فضحكتُ رغمًا عني.
ضحكة قصيرة ومتعبة
لكنها حقيقية.
ما شاء الله عليكِ يا مزنة.
وتوقفتُ للحظة بعد أن نطقت اسمها.
كأن الكلمة كانت مغلقة داخل صدري منذ وفاة مريم.
ظل البيت ممتلئًا بالحزن
لكن شيئًا خفيفًا تغيّر داخله.
شيء يشبه نافذة انفتحت قليلًا في غرفة ظلت مغلقة طويلًا.
أتى الصباح دون أن أترك مزنة من بين ذراعيّ.
وعند السابعة تقريبًا، سمعتُ صوت المفتاح يدور بهدوء في الباب الخارجي.
دخلت الحاجة آمنة، والدة مريم، تحمل كيس خبز ساخن وعلبة فول، كعادتها منذ الوفاة. كانت تأتي كل صباح تقريبًا؛ تنظف أحيانًا، تبدّل أغطية السرير، وتطمئن على الصغيرة حين ينهكني السهر.
لكنها توقفت فجأة عندما رأتني جالسًا في غرفة الجلوس، ومزنة نائمة فوق صدري.
ظلت واقفة مكانها للحظات، كأنها تخشى أن تتحرك فيختفي المشهد.
لم تقل شيئًا.
ولا أنا أيضًا.
ثم رفعتُ معصم مزنة الصغير، وأشرتُ إلى السوار الأحمر.
فانفجرت الحاجة آمنة بالبكاء فورًا.
وضعت الأكياس على الأرض وجلست ببطء، تمسح دموعها بطرف الثوب.
وقالت بصوت مرتجف
مريم هي التي طلبت مني ذلك يا ولدي قالت لي لا تعطه السوار ولا التسجيل وهو غارق في غضبه.
ابتلعتُ غصتي بصعوبة.
ولماذا؟
مسحت دموعها وقالت
كانت خائفة عليك لأن الأطباء كانوا قد أخبروها قبل الولادة أن حالتها خطيرة، وكانت تعرف أنك لن تحتمل فكرة أنها كانت تتوقع الموت.
ثم أضافت بصوت أهدأ
وقالت أيضًا إنك إذا سمعت صوتها مبكرًا، وأنت ما زلت ترفض حتى النظر إلى مزنة، ربما ستغلق قلبك أكثر بدل أن تفتحه.
ثم أضافت
كانت تقول إنك تحتاج أن تحمل ابنتك أولًا لا أن تسمعها فقط.
شعرتُ بثقل حارق في صدري.
سألتها بصوت خافت
أنتِ من وضعتِ السوار؟
أومأت برأسها.
وأنا من وضعت الهاتف داخل الجيب القماشي قبل يومين بعدما شحنته. كنتَ نائمًا وقتها من التعب.
خفضتُ رأسي للحظات قبل أن أسأل
هل كنتُ بهذا السوء؟
نظرت إليّ طويلًا قبل أن تجيب
كنتَ مكسورًا يا إدريس وهذا أوجعنا أكثر من أي شيء آخر.
تحركت مزنة قليلًا بين ذراعيّ، فأطلقت الحاجة آمنة شهقة صغيرة واقتربت خطوة، ثم توقفت بتردد، كأنها تخشى أن أبتعد بها.
نظرتُ إليها لحظة
ثم مددتُ الصغيرة نحوها بهدوء.
احمليها.
اتسعت عيناها بدهشة حقيقية.
أتسمح لي؟
أومأت برأسي.
لأنها، رغم زياراتها اليومية، كانت نادرًا ما تحمل مزنة طويلًا أمامي، وكأن الجميع صار يتحرك داخل هذا البيت بحذر خوفًا من غضبي.
وحين أخذت مزنة بين ذراعيها، أغمضت عينيها وبدأت تتمتم بالدعاء.
لم يكن دعاءً طويلًا
فقط دعاء جدة تخشى على آخر ما تبقى من ابنتها.
اللهم احفظها بعينك التي لا تنام واجعلها من الصالحات ولا تُرنا فيها بأسًا يبكينا.
ثم قبّلت جبينها الصغير.
وفي تلك الليلة، لم أفتح الفيديو الثاني.
ظل الهاتف فوق الطاولة ساعات طويلة
وكلما مددت يدي نحوه، شعرت أن قلبي أضعف من أن يحتمل رؤية مريم مرة أخرى.
لكن بعد يومين
حين نامت مزنة فوق صدري مع اقتراب الفجر، أخذت الهاتف وجلست وحدي في الغرفة.
فتحت المعرض.
وكان هناك مقطع فيديو مسجل قبل الولادة بيومين.
ظللتُ أحدق في الشاشة طويلًا قبل أن أملك الشجاعة لتشغيله.
ثم ظهرت مريم.
كانت جالسة فوق سريرنا، ببطنها الممتلئ وجدائلها الطويلة، ترتدي ثوبًا سودانيًا بلون السماء بعد المطر.
بدت مرهقة قليلًا
لكن ابتسامتها كانت كما عرفتها دائمًا.
هادئة
ودافئة بما يكفي لتحطيمي.
ابتسمت للكاميرا وقالت
إذا شاهدتِ هذا يومًا يا مزنة فأنا أمك.
اختنق نفسي فورًا.
ثم ضحكت بخفة وقالت
أبوكِ يتظاهر دائمًا بالجدية لكنه اشترى لكِ ثلاثة جوارب متشابهة لأنه لم يعرف أي لون قد يعجبك.
غطيتُ فمي بيدي حتى لا يخرج صوت بكائي.
وأضافت بعد لحظة صمت قصيرة
وإذا بدا قاسيًا أحيانًا فلا تخافي منه. أبوكِ عندما يتألم يصمت فقط.
شعرتُ بحرارة الدموع تحرق عيني.
ثم قالت وهي تنظر إلى الكاميرا بحنان
أحبيه كثيرًا يا مزنة لأنه سيحبكِ أكثر مما يعرف كيف يقول.
لم أستطع المشاهدة أكثر.
انحنيت فوق السرير، ودفنت وجهي بين كفيّ.
وبكيت.
ليس فقط على مريم
بل على الأسابيع التي ضاعت مني وأنا أهرب من ابنتي بدل أن أهرب إليها.
وبكيت لأنني كنت أضع الحليب في فمها كل ليلة، دون أن أنتبه أنها كانت تبحث عن شيء أبسط من الطعام
عن حب أب فقط.
وفجأة
سمعتُ مزنة تبكي في الخارج.
وفي المرات السابقة، كنتُ أتجمد أحيانًا قبل أن أتحرك
كأن البكاء يوقظ داخلي شيئًا أحاول الهرب منه.
أما هذه المرة، فقد نهضتُ فورًا.
وركضت إليها دون تفكير.
وقبل أن أصل إلى الغرفة، خرجت الكلمة من فمي تلقائيًا
أنا قادم يا ابنتي.
توقفتُ لحظة عند الباب بعد أن قلتها.
ابنتي.
لم أشعر بثقل الكلمة هذه المرة.
كانت الأيام التالية مليئة بالفوضى.
لم أصبح أبًا صالحًا فجأة، فالحزن لا يختفي في ليلة واحدة، والإنسان لا يشفى لمجرد أنه بكى أخيرًا.
لكنني بدأت أتعلم.
تعلمتُ كيف أحممها دون أن أرتعب كلما انزلقت قطرة ماء قرب أنفها
وكيف ألفّها بالمنشفة بسرعة قبل أن تبدأ بالبكاء.
وتعلمتُ أن لكل بكاء معنى.
بكاء الجوع
وبكاء النعاس
وبكاء المغص
وأحيانًا، مجرد بكاء طفلة تريد أن تشعر أن أحدًا يحملها.
وفي بعض الليالي، كان ذلك الصوت القديم يعود إلى رأسي من جديد
ذلك الصوت المتعب الذي يهمس
أنت مرهق لن تحتمل أكثر.
لكنه لم يعد يخيفني
لأنني صرت أميز بين التعب
وبين الرغبة في الهرب.
وذات ظهيرة، دخلت أمي المطبخ فوجدتني أغني بصوت منخفض لمزنة بينما أطوي ملابسها الصغيرة.
توقفت عند الباب تنظر إليّ بدهشة حقيقية.
ثم قالت
مالك اليوم يا إدريس؟
رفعتُ كتفيّ وأنا أبتسم بتعب
قلة نوم وتأنيب ضمير.
فضحكت أمي لأول مرة منذ أسابيع.
إذن بدأت الأبوة أخيرًا.
واستمرت الحاجة آمنة في المجيء كل صباح، لكنها لم تعد تدخل البيت بوجه يشبه العزاء.
أصبحت تُعدّ العصيدة والشاي بالحليب
وتتشاجر معي لأنني لا آكل جيدًا
وتجلس قرب مزنة تحكي لها عن أمها وكأن الصغيرة تحفظ الحكايات بالفعل.
كانت تقول لها
أمكِ كانت ترقص وهي تطبخ وتحرق لسانها بالشطة ثم تعود وتأكلها من جديد.
ثم تشير نحوي وهي تضحك
وكانت تقول إن أباكِ يبدو عابسًا دائمًا، لكنه يذوب أسرع من الزبدة.
كنتُ أتظاهر بالضيق
بينما كانت مزنة تحدق فينا بعينيها الواسعتين وكأنها تراقب عالمًا تحاول فهمه.
وفي أحد أيام الأحد، عندما بلغت ثلاثة أشهر، أخذتُها إلى سوق أم درمان القديم.
لم يكن الأمر سهلًا.
كل زاوية هناك كانت تحمل أثرًا من مريم.
بائعة الشاي التي كانت تحفظ طلبها
الرجل الذي كانت تشتري منه الفول السوداني المحمص
وذلك الزقاق الضيق الذي أمسكت فيه يدي ذات مساء وقالت ضاحكة
إذا متُّ قبلك يا إدريس، لا تتحول إلى رجل صامت يعيش في الظلام.
أجبتها يومها بانزعاج
لا تقولي كلامًا كهذا.
لكن مريم كانت تشعر بأشياء كثيرة قبل حدوثها، بطريقة أخافتني دائمًا.
مشيتُ بين الناس ومزنة بين ذراعيّ، ملفوفة ببطانية صفراء خفيفة.
كانت أصوات الباعة تملأ السوق
ورائحة القهوة السودانية والبهارات الساخنة تختلط في الهواء
والأطفال يركضون بين العربات وهم يضحكون.
ثم توقفتُ فجأة أمام بسطة صغيرة للحُليّ اليدوية.
كانت المرأة نفسها
امرأة مسنة بثوب أبيض وضفائر رمادية قصيرة، ترتب الأساور والخيوط الملونة فوق قطعة قماش قديمة.
رفعت رأسها نحو مزنة
ثم وقعت عيناها على السوار الأحمر الصغير.
تجمدت للحظة.
وقالت بهدوء
أعرف هذا السوار بعته لامرأة حامل قبل شهور.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
تابعت وهي تنظر إلى مزنة
ظلت تسألني يومها إن كان اللون الأحمر يحمي الأطفال.
شعرتُ بشيء يضيق داخل صدري.
كانت زوجتي.
خفضت المرأة رأسها قليلًا.
الله يرحمها.
ثم نظرت إلى مزنة وسألت
وهذه الصغيرة؟
نظرتُ