فقدت زوجتي أثناء ولادتها لابنتي
فقدتُ زوجتي أثناء ولادتها لابنتنا، ومنذ تلك الليلة كرهتُ الصغيرة منذ بكائها الأول. وبعد ستة أسابيع، دخلتُ غرفتها عازمًا على تجاهل بكائها كالمعتاد حتى تهدأ وحدها، لكنني رأيت شيئًا حول معصمها جعل صدري ينقبض فجأة. كان سوارًا أحمر صغيرًا. لم أكن أنا من ألبسها إياه. ومن الجيب القماشي المعلّق بجانب سريرها، خرج ضوء من هاتف زوجتي الراحلة ثم سمعتُ صوتها.
اسمي إدريس عبد الرحيم.
قبل ولادة ابنتي، كنتُ رجلًا مختلفًا تمامًا.
أضحك بصوت مرتفع، وأعود إلى البيت حاملًا الذرة المشوية لمريم بعد منتصف الليل، ثم أجلس معها قرب النيل في الخرطوم نشرب الشاي ونراقب المراكب الصغيرة وهي تعبر الماء ببطء.
كنتُ أتحدث إلى بطنها كل ليلة كأن الصغيرة تسمعني بالفعل.
تعالي سريعًا يا صغيرتي أنا وأمكِ ننتظرك.
فتضحك مريم وتقول
ستفسد هذه البنت قبل أن تولد.
كانت زوجتي من أم درمان.
هادئة حنونة وكانت رائحة القهوة السودانية تملأ ثوبها دائمًا.
لكن مريم لم تغادر المستشفى أبدًا.
ما زلتُ أذكر الممر الأبيض الطويل، ورائحة المطهّرات، والطبيب الذي كان يتحدث بصوت منخفض وهو يتجنب النظر إلى عيني.
مضاعفات.
نزيف حاد.
لقد فعلنا ما بوسعنا.
أكاذيب.
لا أحد يفعل كل ما بوسعه ثم يسلّمك طفلة ملفوفة ببطانية وردية ويخبرك أن المرأة التي أحببتها توقفت عن التنفس.
وضعوا الصغيرة بين ذراعيّ.
كانت صغيرة جدًا دافئة جدًا وحية.
أما كل ما كنتُ أفكر فيه فهو
هي بقيت
أما مريم فرحلت.
ومنذ ذلك اليوم، صار بكاؤها يمزّق رأسي.
كل زجاجة حليب
كل ليلة بلا نوم
كل فجر ثقيل كان يذكّرني بالحقيقة نفسها
زوجتي تحت التراب
وابنتها تتنفس مكانها.
جاءت أمي لتساعدني.
وكانت والدة مريم تجلس أحيانًا قرب سرير مزنة ترتب أغراضها بصمت، أو تغيّر أغطية السرير بينما أكون
أما الجيران فكانوا يهمسون
المسكينة تحتاج إلى أبيها.
كنتُ أومئ فقط.
لم أحملها كثيرًا.
لم أغنِّ لها.
ولم أنادها باسمها قط.
كانت مريم قد اختارت لها اسم مزنة قبل ولادتها بأسابيع، بعدما أخبرها الأطباء أن الحمل قد يكون خطرًا عليها أما أنا، فلم أستطع نطق الاسم يومًا.
كنتُ أهرب منه تمامًا
وأسميها فقط
الطفلة.
كأن منحها اسمًا سيجعلها أكثر حقيقة وأنا لم أكن أحتمل ذلك.
وفي تلك الليلة، بدأ البكاء عند الساعة الثالثة واثنتي عشرة دقيقة فجرًا.
أعرف الوقت جيدًا، لأن هذا كان الوقت نفسه الذي خرجت فيه الممرضة وهي تحمل مزنة لأول مرة بعد الولادة.
في البداية كان نشيجًا خافتًا.
ثم صرخة.
ثم ذلك البكاء الحاد الذي بدا كأنه يخدش عظامي من الداخل.
وضعتُ الوسادة فوق رأسي وهمست
أصمتي
لكنها لم تصمت.
ضربتُ الفراش بيدي، ثم نهضتُ غاضبًا، حافي القدمين، وحلقي ممتلئ بالغضب.
كان الممر مظلمًا.
وفي غرفة الجلوس ظلت صورة مريم بفستانها الأصفر معلقة قرب السرير الذي لم تنم عليه أبدًا.
لم أستطع النظر إليها.
دفعتُ باب الغرفة بعنف.
كانت الصغيرة تبكي ووجهها شديد الاحمرار، بينما تتحرك قبضتها الصغيرة في الهواء.
صرختُ فيها
ماذا تريدين مني أيضًا؟!
ثم رفعت يدها الصغيرة نحوي
وعندها شعرتُ بصدري ينقبض فجأة.
كان هناك خيط أحمر صغير حول معصمها، تتدلى منه خرزة فضية صغيرة.
عرفته فورًا.
كانت مريم قد اشترته في شهرها السابع، بعدما بدأت تخاف من الولادة بشكل لم تعترف به صراحة، وأخفته داخل صندوق أبيض صغير، ثم قالت لي يومها
سأضعه حول معصم ابنتنا بنفسي بعد ولادتها لا تدع أحدًا يلمسه.
لكن مريم ماتت قبل أن تفعل.
ظللتُ أحدّق في الخيط وأنا أحاول التذكر.
ثم فجأة
عادت إليّ صورة مشوشة قبل الولادة بأيام.
كانت مريم تجلس على الأرض قرب سرير الصغيرة، ترتّب الحفاضات والزجاجات والملابس الصغيرة بنفسها، بينما تبتسم وتقول
كل شيء يجب أن يبقى قريبًا من ابنتنا.
اقتربتُ من السرير ببطء، وأنا أشعر بأن رأسي يدور.
ولأول مرة منذ أسابيع، نظرتُ إلى ابنتي جيدًا.
كانت تحدّق بي بعينيها الواسعتين في صمت أربكني.
مددتُ يدي المرتجفة نحو سريرها محاولًا تهدئتها
وعندها سمعتُ صوت اهتزاز خافت.
تجمّدتُ في مكاني.
كان الصوت يخرج من الجيب القماشي الصغير المعلّق على جانب السرير، ذلك الجيب الذي كانت مريم تضع فيه أغراض الصغيرة دائمًا قبل دخولها المستشفى.
دفعتُ يدي داخله ببطء
ثم سحبتُ هاتف مريم القديم.
كانت الشاشة مضيئة.
ومنبّه مضبوط على الساعة الثالثة واثنتي عشرة دقيقة فجرًا.
وتسجيل صوتي يحمل اسمي.
إدريس إذا سمعتَ هذا الآن، فأغلب الظن أن أمي نفّذت ما طلبته منها أخيرًا.
شعرتُ بأن الغرفة تضيق حولي.
لأن هذا يعني أن مريم كانت تتوقع فعلًا أنها قد لا تعود من غرفة العمليات.
ثم ضغطتُ زر التشغيل
فعاد صوت زوجتي يقول
يا إدريس إذا كنت تسمع رسالتي الآن، فهذا يعني أنني رحلت ولم أخرج من غرفة العمليات حيّة.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
خرج صوت مريم خافتًا من الهاتف، متعبًا، لكنه مليء بذلك الدفء الذي كان يهدّئني دائمًا.
لم تكن معي داخل غرفة العمليات يا إدريس لم ترَ ما رأيته. عندما سمعتُ بكاءها لأول مرة، لم أفكر بالموت. كل ما فكرتُ فيه وقتها كان ابنتنا وصلت.
أغمضتُ عيني بقوة.
وكانت مزنة ما تزال ممسكة بطرف قميصي بأصابعها الصغيرة، كأنها تخشى أن أبتعد.
تابعت مريم بصوت مرتجف
كنتُ خائفة نعم. الأطباء أخبروني منذ الشهر الأخير أن هناك احتمالًا ألا أخرج من الولادة بسلام، لكنني لم أرد أن تعيش أنت الخوف نفسه كل يوم معي.
ضممتُ الصغيرة
ثم قالت
لكنني شعرتُ بالطمأنينة أيضًا لأنني عرفتُ أن جزءًا مني سيبقى معك.
ثم أضافت بعد لحظة صمت قصيرة
هناك فيديو آخر داخل الهاتف شاهده عندما تصبح قادرًا على ذلك. لكن أرجوك يا إدريس لا تتركها تبكي وحدها طويلًا، حتى لو شعرت بالعجز. احملها فقط ستتعلمان بعضكما مع الوقت.
ساد صمت قصير داخل التسجيل.
ثم سُمعت قبلة خافتة قرب الميكروفون.
أحبك واعتنِ بيديها جيدًا. إنها تشبهك كثيرًا..
انطفأت الشاشة.
وعادت الغرفة إلى ظلامها
لكنها لم تكن الظلمة نفسها.
لأنني، للمرة الأولى منذ وفاة مريم، لم أشعر أنني وحدي مع هذا الحزن.
تحركت مزنة بين ذراعيّ وأطلقت أنينًا خفيفًا.
ولأول مرة منذ وفاة مريم، لم أشعر بالغضب من بكائها.
شعرت بالخوف فقط.
ليس خوف رجل يجهل كيف يُعدّ زجاجة حليب، فقد كنتُ أفعل ذلك كل يوم تقريبًا خلال الأسابيع الماضية لأن أمي والحاجة آمنة لم تكونا تبيتان معنا دائمًا بل خوف رجل أدرك فجأة أن هذه الطفلة لا تملك في العالم غيره.
وخوف رجل لا يعرف كيف يعيش بعد رحيل المرأة التي كانت تمنح البيت روحه.
لكن ذلك الغضب القديم لم يختفِ تمامًا
كان ما يزال يتحرك داخلي كلما ارتفع بكاؤها، ثم يتركني أشعر بالخزي بعدها مباشرة.
نظرتُ إليها مرتبكًا وهمست
هل أنتِ جائعة يا صغيرة؟
ثم ضحكتُ بخفوت وسط دموعي.
سامحيني ما زلتُ أتعلم.
نهضتُ بها واتجهت إلى المطبخ الصغير في بيتنا بأم درمان.
كانت رأسها تستند إلى صدري بينما أحاول إعداد الحليب بيدين ترتجفان من التعب والسهر. سكبت الماء أولًا بكمية خاطئة، ثم توقفت، وأفرغت الزجاجة، وأعدت الأمر من البداية ببطء، كأنني أخشى أن أؤذيها بأي خطأ صغير.
وأثناء انتظار الحليب حتى يدفأ، رفعتُ عيني نحو صورة مريم المعلقة قرب النافذة، بثوبها السوداني الأصفر وابتسامتها
هذه المرة
لم أُشِح وجهي.
همستُ بصوت مكسور
تركتِها لي وأنا كدتُ أتركها وحدها.
شربت مزنة الحليب بنهم طفولي صغير، بينما كنتُ أحدق فيها بصمت.
لم تكن تنظر إليّ بعتاب كما تخيلت طوال الأسابيع الماضية
كانت مجرد رضيعة صغيرة تبحث عن دفء وصوت وقلب يطمئنها.
ورغم ذلك، شعرتُ بشيء يضغط صدري حين رأيت انحناءة أنفها
ورموشها القصيرة
والعلامة الصغيرة قرب أذنها.
رأيتُ مريم في