لما الزائدة

لمحة نيوز

لما الممرضة قالت لي لو محدش هييجي، وانتي فايقة كفاية، تقدري تمضي لنفسك، إيدي كانت بتترعش لدرجة إني مكنتش قادرة أمسك القلم.
كان عندي 26 سنة، وكنت بتلوى من وجع الزائدة اللي انفجرت، وقاعدة لوحدي بره غرفة العمليات في الوقت اللي عيلتي كانت بتحتفل بعيد ميلاد أختي الصغيرة ال 18. اتصلت بماما الأول، بعدين بابا، بعدين أخويا جوشوا، وبعدين خطيبي جول. فضلت أتصل مرة ورا التانية، وأنا ببلع وجعي ورعبي، وبسمع جرس الموبايل وهو بيرن ملوش آخر أو المكالمة اللي بتتقفل فجأة. الرد الوحيد اللي جالي كان رسالة من جول بيقولي فيها بلاش دراما، ده يوم إيفيت.
مضيت إقرار العملية وعيني مليانة دموع، وقلت لنفسي لو طلعت من العملية دي سليمة، لازم حاجات كتير فيا تتغير.
العملية نجحت، بس فترة التعافي كانت صعبة.. مش بسبب مضاعفات طبية، لكن بسبب السكوت. تلات أيام كاملة في المستشفى ومحدش من عيلتي جه زارني. لا ورد، ولا رسالة تطمن عليا، ولا حتى مكالمة فايتة شفتها لما صحيت من نومي اللي كان كله مسكنات.
الممرضات كانوا حنينين معايا، بس حنية الناس اللي متعودة تشوف الوحدة كل يوم. كانوا بيغطوني ويسألوا مين هييجي ياخدني، وكنت دايماً برد نفس الرد هتصرف. ولما جه يوم خروجي، كنت بطلت أبص في

الموبايل أصلاً.
ركبت تاكسي وروحت، والشنطة في حضني، والغرز كانت بتشد عليا مع كل خبطة في الطريق. كنت بفكر إني كان المفروض أروح في أي حتة تانية.. فندق، بيت صاحبتي، أي مكان غير البيت اللي قضيت فيه عمري كله بحاول أشحت فيه لقمة حنية. بس البيت هو اللي فيه هدومي وورقي ودوايا.. فروحت.
أول ما فتحت باب البيت، سمعت صوت الضحك مالي الصالة، وانقطع فجأة أول ما شافوني. بابا وماما على الكنبة، جوشوا ساند على الحيطة ومربع إيده، وإيفيت قاعدة لازقة في جول، وهو حاطط إيده على كتفها بطريقة فيها إنه أوي. سحب إيده بسرعة أول ما شافني كأنه بيعترف بكل حاجة بحركته دي.
جول قال وهو بيرسم ابتسامة باهتة حمد لله على السلامة، كنتي فين كل ده؟
جوشوا ضحك بسخرية هتكون فين يعني؟ أكيد كانت بتتقمص عشان مش قادرة تشوف فيفي مبسوطة يوم واحد في عمرها.
زمان كنت هدافع عن نفسي وأحكي كل اللي حصل، بس المرة دي بصيت في الأرض وطلعت على السلم. جسمي كان ضعيف، والغرز كانت بتوجعني تحت الهدوم. في اللحظة دي ماما جريت عليا ومعاها كباية عصير صوفيا، كنا مشغولين أوي بعيد ميلاد فيفي وما شفناش مكالماتك، ما تزعليش بقى.
الكباية كانت ساقعة في إيدي، وبصيت فيها لقيت عصير مانجو. المانجو هي الحاجة الوحيدة اللي
عندي حساسية منها من وأنا عندي 7 سنين. إيفيت هي اللي بتحب المانجو، وعشان كدة المطبخ دايماً مليان بيها. ماما ببساطة جابت أول حاجة من عالم إيفيت وقدمتها لي كدليل على الحب!
قلت بهدوء ورجعتلها الكباية أنا مش زعلانة، أنا بس عاوزة أطلع أوضتي.
بابا خبط على الترابيزة إيه التكشيرة دي؟ أمك بتعتذرلك وجايبالك مشروبك المفضل وانتي مش عاجبك حاجة!
حسيت بوجع وتعب مش طبيعي، خدت الكباية وشربتها كلها بوق واحد. طعمها المسكر حرق زوري، وقلت وأنا بحط الكباية إيفيت هي اللي بتحب المانجو، أنا عندي حساسية منها.. بس مش مهم، خلاص شربتها، ممكن أطلع أوضتي؟
وش ماما اتقلب، وبابا بان عليه الإحراج لثانية وبعدين قلبها نرفزة كنتي تقدري تقولي كدة بهدوء، أسلوبك دايماً مش مريح، مش زي فيفي خالص.
إيفيت قالت بصوت ناعم يا بابا ما تقولش كدة، كدة هتزعل. كانت نظرة عينها كلها شماتة.
قلت أنا آسفة، مش هتكرر تاني.
سكوتي ده صدمهم، جول مسك إيدي ووشوشني بجد مش زعلانة؟ هزيت راسي لأ. ارتاح وقال كويس، يبقى نأجل الفرح الأسبوع الجاي، أنا وعدت إيفيت أفسحها في أورورا باي بمناسبة إنها تمت 18 سنة، وممكن نطلع رحلة عائلية كلنا.
قلتله ماشي.
استغرب وقال نأجل يا صوفيا، مش نلغي.
جلدي بدأ ياكلني والحساسية
بدأت تظهر على رقبتي. جيت أمشي، إيفيت نادت ورايا بصوت كله سم انتي زعلانة عشان جول هيخرجني؟
جوشوا زعق أهي رجعت لألعبها تاني! وقبل ما أستوعب، شدني من شعري لورا بقوة خلت جسمي كله يتلوى. الوجع ضرب في راسي وفي بطني مكان الغرز، وركبي خبطت في الأرض.
الدنيا لفت بيا، وسمعت صوت ماما بتزعق وبابا بينادي على جوشوا. في اللحظة دي الباب اتفتح ودخلت جارتنا مدام دالتون ترجع طبق، شافتني مرمية في الأرض وماسكة جنبي والطفح الجلدي مالي رقبتي، زعقت فيهم اطلبوا الإسعاف حالاً! ولما محدش اتحرك، طلعت موبايلها واتصلت هي.
في الطوارئ، الدكتور أكد إن عندي حساسية شديدة وإن الغرز اتشدت ومحتاجة راحة تامة. أخصائية اجتماعية سألتني لو كنت حاسة بالأمان في بيتي، بصيت لستاير المستشفى والأنوار اللي فوقي اللي بقت أريح بكتير من بيتنا، وقلت مش لوقت طويل.
لما سألتني عن رقم للطوارئ، ولأول مرة من سنين، مديتهاش اسم حد فيهم.
جدتي إلينور جت بعد 40 دقيقة، كانت هي مامت بابا، وطول عمرهم بيحاولوا يبعدوها عن حياتنا عشان هي بتفهم وتلاحظ كل حاجة. شافت الطفح الجلدي وحالتي، وقالتلي احكيلي كل حاجة.
حكيتلها عن العملية، والمكالمات، ورسالة جول، والمانجو، وتأجيل الفرح، وإيد جوشوا في شعري.. حكيتلها
إني تعبانة، مش تعب
 

تم نسخ الرابط