بعد ماتبرعت بكليتي روماني مكرم
ضهره، ونور اختفت في الضلمة كأنها طيف. وفجأة، سمعنا صوت خبطة مكتومة، وبعدها صوت أحمد وهو بيستغيث آه.. إيدي! سيبي إيدي!
نور كانت ثبتته في الأرض بمهارة غريبة، وخدت منه المسدس بلمح البصر. ولعت الكبريت وقربته من وشه، وقالت له وهي بتبتسم ابتسامة مرعبة إنت فاكر إنك بتتعامل مع ست ضعيفة زي اللي غدرت بيها في المستشفى؟ أنا عشت عمري في الشارع، وتعلمت إزاي أخد حقي بإيدي.
طلعت تليفونها، وعملت مكالمة واحدة يا باشا، الصيد وصل.. تعالوا استلموا الأمانة.
في دقايق، البيت كان محاصر بالشرطة. أحمد مكنش مطلوب بس في قضية تبديد المنقولات، طلع إن المحامي بتاعه كان شريك في عصابة غسيل أموال، وأحمد كان الواجهة اللي بيستخدموها من غير ما يحس، وبلاغ نور هو اللي كشف الخيط كله.
العساكر كلبشوا أحمد وهو بيعيط زي العيال الصغير، وبص لي قبل ما يركب العربة سامحيني يا منى.. أنا ضعت، والله ضعت!
رديت عليه وأنا ماسكة إيد نور إنت مضعتش يا أحمد.
. إنت بس رجعت لمكانك الحقيقي.
لما البيت هدي، قعدنا أنا ونور وخالد في الصالة القديمة. نور بصت لي وقالت بابا مكنش بس مخبي الورق ده عشان يحميكي.. بابا كان باعتني أراقبك من بعيد، وكان عارف إن أحمد ده تعبان، بس كان مستني اللحظة اللي تقوي فيها وتعرفي تفرقي بين اللي بيحبك واللي بيستغلك.
خالد سأل بنبرة قلق والندبة دي يا نور؟ إيه اللي حصلك طول السنين دي؟
نور سكتت، ونظرتها تاهت في الفراغ، وبعدين بصت لي وقالت جملة خلتني أتجمد مكاني
الندبة دي حكايتها تبدأ من اليوم اللي حماتك فيه قررت إنها تتخلص من البنت التانية عشان تاخد الورث كله لابنها أحمد.. أيوه يا منى، حماتك مكنتش مريضة بالصدفة، حماتك هي اللي كانت ورا خطفي وأنا طفلة!
الدنيا لفت بيا.. يعني أنا
سمعت جملة نور والبيت كأنه بدأ يلف بيا.. الصدمة كانت أقوى من وجع العملية بمليون مرة. أنا كنت هموت عشان أنقذ الست اللي سرقت أختي وحرمتني
من حضنها طول السنين دي؟ الست اللي خططت لكل ده وهي بترسم دور الحما الغلبانة؟
نور مسكت إيدي بقوة وقالت حماتك يا منى كانت عارفة إن باباكي كاتب كل حاجة للتوأم، وعشان تضمن إن أحمد يورث كل حاجة لوحده لما يتجوزك، كان لازم واحدة فينا تختفي. خطفتني ورمتني لناس ميعرفوش ربنا، والندبة دي كانت تمن هروبي منهم ومن حياتي اللي ضاعت.
خالد كان واقف مذهول، أخوه وأمه طلعوا شياطين في صورة بشر. بص لنور وقال بذهول يعني أمي كانت عارفة إنك عايشة؟ كانت عارفة إنها بتدمر عيلة كاملة؟
نور ردت بمرارة كانت فاكرة إني موت، بس لما رجعت وبدأت أراقبهم من بعيد، عرفت إنها بتغسل كليتها ومحتاجة متبرع، وشفتها وهي بتضغط على منى عشان تتبرع لها.. كانت عايزة تاخد كليتها وبعدين تخلي ابنها يرميها عشان تضمن إن مفيش حد يطالب بالورث لو الحقيقة ظهرت.
في اللحظة دي، تليفون خالد رن.. كانت الممرضة من المستشفى، صوتها كان مرعوب يا أستاذ خالد، الحقنا.. الحاجة حالتها اتدهورت
جداً بعد ما عرفت
إن أحمد اتقبض عليه، وهي دلوقت في غيبوبة، والدكاترة بيقولوا إنها محتاجة عملية تانية فوراً وإلا هتموت في خلال ساعات!
خالد بص لنا وهو محتار، نظرة فيها صراع بين كونه ابنها وبين الحقيقة البشعة اللي لسه عارفها. بصيت لنور لقيتها بتبتسم ببرود وقالت العدالة يا منى مابتجيش بالصدفة.. هي دلوقت بين إيدين ربنا، والكلية اللي رفضها جسمها كانت أول إشارة إن ربنا مش هيقبل منها تضحية مغصوبة.
قلت لخالد بصوت ثابت روح يا خالد.. روح وشوف واجبك،
خالد مشي وهو منكسر، وأنا ونور فضلنا في بيت بابا. قعدنا نراجع الورق، واكتشفنا إن بابا كان سايب صندوق تاني في مكان مكنش يخطر على بال حد.. تحت نخلة معينة في جنينة البيت، بابا كان دايماً يقول إنها نخلة الرزق.
خرجنا وحفرنا تحتها، ولقينا صندوق معدني صغير، جواه مذكرات لبابا بيحكي فيها بالتفصيل إزاي اكتشف خيط الخطف قبل
ما يموت بأيام، وإنه ساب دليل قاطع يدين حماتي وأحمد في جريمة الخطف والتزوير.
نور بصت لي وقالت الحكاية قربت تخلص يا منى.. حماتك دلوقت بتواجه الموت، وأحمد ورا القضبان، وإحنا معانا الدليل اللي هيرجع لنا كل مليم وكل شبر أرض اتسرق مننا.
وفجأة، الباب خبط خبطة قوية.. فتحنا لقينا المحامي بتاعنا وشكله مخطوف مدام منى.. مدام نور.. في خبر عاجل لسه واصل من المستشفى، الحاجة فاقت لثواني وطلبت تشوفكم إنتوا الاتنين بالاسم.. وقالت إنها عندها سر أخير لازم تقوله قبل ما تقابل ربنا، سر يخص والدتكم واليوم اللي ماتت فيه!
بصيت لنور، وشفت في عينيها نفس السؤال.. هل ممكن يكون في جريمة تانية إحنا مانعرفهاش؟
وصلنا للمستشفى، الممرات كانت سكتة تماماً كأنها مستنية لحظة الحقيقة. دخلنا الأوضة، حماتي كانت نايمة، وشها اللي كان دايمًا مليان كبرياء بقى شاحب وزي الورق الدبلان. أول ما شافتني أنا ونور، عينيها برقت بخوف وندم غريب.
شاورت لنا نقرب، وقالت بصوت طالع بالعافية
أنا
عارفة إن مفيش وقت.. وعارفة إن السامح مش سهل. بس لازم تعرفوا إن أمكم ماماتتش محروقة قلبها عليكي يا نور.. أمكم عرفت إنك عايشة قبل ما تموت بدقائق، وأنا اللي خبيت عنها مكانك عشان ماتاخدكيش وتبعدي عن البيت
بكت وهي بتنهج السر الكبير.. إن أمكم سابت رسالة مسجلة بصوتها، شايلاها عند محامي قديم في الصعيد، فيها اعتراف بكل اللي حصل.. أنا كنت فاكرة إن الفلوس والورث هيخلوا ابني سيد الناس، بس الفلوس هي اللي عمته، وهي اللي ضيعته وضيعتني.
بصت لي وقالت سامحيني يا منى.. كليتك اللي جسمي رفضها كانت رسالة إن ربنا مش عايزني أعيش بحتة من حد ظلمته.. أنا دلوقت بقابل ربي بقلب خالي من كل حاجة، حتى الصحة.
نطقت الشهادة، وفاضت روحها للي خلقها.
المشهد الختامي
بعد سنة..
كنت واقفة أنا ونور في جنينة بيتنا في الصعيد، البيت اللي رجع له الروح وبقى مفتوح لكل محتاج. خالد بقى هو اللي بيدير أعمالنا بأمانة، وحاول يعوضنا عن كل اللي أحمد وأمه
عملوه.
أما أحمد، فصدر ضده حكم بالسجن المشدد، مش بس في التبديد، لكن في التستر على جريمة خطف وإخفاء معلومات. بقى وحيد، لا فلوس، لا أهل، ولا حتى كرامة.
بصيت لنور وقلت لها عارفة يا نور.. لولا الوجع اللي شفته، مكنتش هعرف قيمتك، ولا كنت هكتشف مرضي وألحقه، ولا كنت هعرف إن ربنا بيشيل لنا الحقوق لحد ما نكون قادرين نحافظ عليها.
ابتسمت نور وقالت الحق مابيموتش يا منى، هو بس بيستنى الوقت المناسب عشان يظهر.
الحكمة من الحكاية
في حكايات رومانى مكرم، اتعلمنا إن
التضحية اللي بتقدمها لشخص مبيصونهاش، ربنا مبيضيعهاش، لكن بيردها لك في صورة نجاة من مصيبة تانية إنت مكنتش شايفها.
الغدر ممكن يكسر القلب، بس هو اللي بيكشف
لك الوجوه الحقيقية اللي
حواليك، وعمره ما كان نهاية الطريق، بالعكس، ده ساعات بيكون أول خطوة في طريق العوض.
الحق زي الشمس، مهما غطاها سحاب الظلم، لازم تطلع وتنور الدنيا، والظالم مهما طال وقته، بيقع في شر أعماله وبنفس
غيره.
تمت
بحمد الله.