رموا هدومي بره اوضتي
وفي يوم قابلت إيهاب صدفة، كان شكله مكسور، عرفت إن ميسم سابته بعد ما خلفت بنت وسافرت، بصلي وقال: "إنتي كنتي نعمة وأنا ضيعتها." ابتسمت بهدوء وقلت: "أنا دلوقتي بقيت نعمة لنفسي." ومشيت وأنا ماسكة إيد نور، وسايبة ورايا كل وجع اتحول لدرس، وكل دمعة اتحولت لقوة، وعرفت إن العدل ممكن يتأخر… بس عمرهعدّت سنين بعد اللي حصل، وكل يوم فيهم كان بيبني فيا إنسانة جديدة، مش شروق اللي كانت بتعيط في الحوش ليلة ما اترمت بره أوضتها، لكن شروق تانية… عرفت قيمتها كويس، وعرفت إن اللي مايحافظش عليها، مايلزمهاش. "نور" كبر قدامي يوم ورا يوم، أول ضحكة، أول كلمة، أول مرة يناديني فيها "ماما" كانت كفيلة تمحي سنين الوجع كلها، وكل مرة كنت ببص له فيها، كنت بحمد ربنا إنه ما استجابش للي كنت بطلبه زمان، لأنه اداني حاجة أحسن بكتير.
اشتغلت بجد، تعبت، سهرِت، وقفت على رجلي من الصفر، لحد ما بقى عندي مكان صغير بعلّم فيه الأطفال، وبقى اسمي معروف في المنطقة، مش كـ "الست اللي ماخلفتش"
لكن الحياة مش دايمًا بتمشي على وتيرة واحدة… في يوم، وأنا قاعدة في المكان بتاعي، دخلت ست لابسة نضارة سودة ووشها باين عليه التعب، أول ما شالت النضارة، قلبي وقف… كانت "ميسم". الزمن غيرها، مش البنت الهادية اللي كانت بتمثل البراءة، لكن واحدة باين عليها إنها شافت كتير. وقفت قدامي وقالت بصوت مكسور: "ممكن نتكلم؟"
سكت لحظة، وبعدين قلت لها: "اتفضلي." قعدت قدامي، وإيديها بتترعش، وقالت: "أنا ظلمتك… وكنت فاكرة إني كسبت، بس أنا اللي خسرت كل حاجة." بصيت لها من غير رد، وهي كملت: "إيهاب اتغير بعد الجواز… بقى قاسي، ودايمًا يقارنّي بيكي… يقولي إني مش زيك، ولا بطيبتك… وأنا كنت فاكرة إني هعيش ملكة، بس عشت أسوأ أيام حياتي."
كنت سامعة، لكن جوايا هدوء غريب، كأن الكلام ده بقى بعيد عني. قالت وهي بتعيط: "أنا سيبته… ومشيت، ومعايا
تنهدت وبصيت لنور اللي كان بيلعب بعيد شوية، وبعدين رجعت بصيت لها وقلت: "أنا سامحتك من زمان… عشان أنا كنت محتاجة أرتاح، مش عشانك." عيطت أكتر، وكأن حمل تقيل اتشال من على صدرها، وقامت تمشي، لكن قبل ما تخرج، وقفت وقالت: "على فكرة… إيهاب لسه بيحبك." ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت: "اللي بيحب بجد… عمره ما يكسر."
بعدها بأيام، حصل اللي ماكنتش متوقعاه… باب المكان خبط، ولما فتحته، لقيت "إيهاب" واقف. الزمن لعب في ملامحه، شعره فيه شيب، وعينيه فيها ندم واضح. قال بصوت واطي: "ممكن نتكلم؟" سكت لحظة، وبعدين قلت: "آخر مرة اتكلمنا فيها، كان في ورق طلاق بينا… جاي ليه دلوقتي؟"
قال وهو باصص في الأرض: "عشان أعتذر… وعشان أقولك إني غلطت أكبر غلطة في حياتي." ضحكت بسخرية خفيفة: "متأخر قوي." رفع عينه وقال: "أنا عارف… بس برضه لازم أقولها… أنا كسرتك، وسيبتك في وقت كنتي
قاطعته بهدوء: "وإنت دلوقتي فاهم؟" قال: "أيوه… بعد ما خسرت كل حاجة." سكتنا لحظة، وبعدين قال وهو بيبص ناحية نور: "ده ابنك؟" قلت بثبات: "أيوه." سأل: "مين أبوه؟" بصيت له بثقة وقلت: "أنا." اتلخبط، بس فهم… فهم إن الأمومة مش محتاجة اسم راجل عشان تكتمل.
قرب خطوة وقال: "ممكن نبدأ من جديد؟" هنا بقى، قلبي ما اتهزش… ولا لحظة. ابتسمت بهدوء وقلت: "أنا بدأت فعلاً… بس من غيرك." سكت، وكأن الإجابة كانت واضحة من غير شرح، لفّ ومشي ببطء، وأنا قفلت الباب وراه من غير ما أحس بأي وجع… بالعكس، حسيت براحة.
رجعت لنور، شلته في حضني، وقلت له: "إحنا كفاية على بعض." ضحك لي، الضحكة اللي بترجعلي روحي كل مرة، وساعتها بس فهمت إن النهاية اللي كنت خايفة منها زمان… كانت في الحقيقة بداية.
والعدل اللي نزل من السما في ليلة ضلمة… ماكانش بس في طفل دخل حياتي، كان في قوة جوايا اتولدت، خلتني أقف تاني، وأكمل، وأعيش مش بس عشان أتنفس… لكن