جه لباب شقتي

لمحة نيوز

تمثيل يقدر يغير الورق والأدلة المفرودة على ترابيزة اجتماعات تحت إضاءة محايدة.
صوتها طلع ضعيف ومخنوق.
مكنش المفروض أكلمك بالطريقة دي.
مكنش اعتذار دافي. مكنش كفاية. ومكنش طالع من قلبها.
بس كان متسجل.
قبلته لأن كرامتي مكنتش محتاجة صدقها. كانت محتاجة بس إنها تلزم حدودها.
بعد الاجتماع، مازن مشي معايا لحد الجراج.
مكنتش مضطر تعمل كده، قلتله.
لأ، رد عليا. كنت مضطر.
الهوا كان ريحته تراب ومطر. إسكندرية بتحاول تدخل على الربيع.
وقفنا جنب عربية مروة وهي بتمثل إنها مش باصالنا من كرسي السواق.
أنا كنت قاسي معاكي، قالها فجأة.
بصيتله.
دي مكنتش أول مرة يدرك فيها ده. بس دي كانت أول مرة يقولها من غير ما يغلفها بأعذار أو ترتيبات.
أيوه، قلتله.
هز راسه زي راجل بيستقبل حكم عليه. أنا عارف.
كان ممكن أخليه يتعذب في اللحظة دي.
يمكن جزء مني كان عايز ده.
بس ياسين علمني إن مش كل حقيقة محتاجين نسنها زي السكينة قبل ما ننطقها.
اللي يفرق دلوقتي، قلتله، هو هل هتفضل تختار اختيارات مختلفة ولا لأ.
بص في عيني مسافة طويلة.
وبعدين جاوب هعمل كده.
الصيف دخل علينا ببطء، وبعدين فجأة.
الكورنيش اتملى بالناس اللي بتجري وعربيات الأطفال والناس اللي لابسة نضارات شمس وبتمثل إن إسكندرية مكنتش بتحاول تغرقهم بقالها تسع شهور. ياسين تم العشر شهور. بقى بيحب الهوا يضرب في وشه، والكمترى المهروسة بالقرفة، وبقى يعشق يشد كرافتة مازن كل ما مازن ينسى وميقلعهاش.
وكان بيحب مروة بالولاء الأعمى اللي الأطفال بيدوه للستات اللي صوتهم عالي وريحتهم قهوة وطبيخ.
وقتها حياتنا كان بقى ليها إيقاع محدش كان ممكن يتخيله من أول أسبوع يائس وممطر ده.
مازن بقى يزورنا بانتظام، والأهم، بشكل متوقع.
مبقاش بيجيب الحلول الأول وبعدين يسأل.
بقى بيسأل.
يساعدك لو جبت أنا طلبات السوبر ماركت؟
ممكن أجي معاكي ميعاد دكتور الأطفال؟
عايزاني أخلي بالي منه ساعة على ما تاخدي دش وتنامي شوية؟
بعض العروض كنت بقبلها. وبعضها لأ. بس الاختلاف كان في الفكرة نفسها أنا اللي كنت بختار، مكنش بيتم فرض سيطرة عليا.
في يوم بالليل، بعد ما ياسين أخيراً نام بعد معركة درامية مع التسنين، مازن وقف في الصالة بيبص
على برواز فيه رسمة عباد شمس متعلقة على حيطتي.
أنا كنت رسماها أيام الكلية. وكنت فاكراها ضاعت في العزال بعد الطلاق.
دورت عليها، قالها من غير ما يلف. كانت في كرتونة من كراتين البيت القديم. خليتهم يبعتوها.
مشيت وقفت جنبه.
الرسمة كانت مبهجة، وفيها تحدي كده. لون أصفر بيزق في سما فاتحة.

كنتي بتحبي الألوان، قال.
ولسه بحبها.
عارف.
صوته كان هادي.
وبعدين قال حاجة كان ممكن يكون ليها معنى أكبر لو اتقالت من سنة، بس برضه رشقت لأنها كانت طالعة بصدق.
أنا قضيت وقت طويل فاهم السيطرة على إنها اهتمام.
ربعت إيدي على صدري.
أيوه، قلت.
وإنتي قضيتي وقت طويل بتحاولي تنجي مني.
الجملة دي وجعت أكتر لأنها حقيقة.
بصلي. أنا مش بطلب أي حاجة.
أحسن.
ضحكة خفيفة مكتومة طلعت منه.
أنا بس بقول إني عارف إنتي ليه مقلتليش.
بصيت للرسمة تاني لأن في حقايق أسهل إنك تستقبلها وإنتي باصة لورد بدل ما تبصي للراجل اللي كسرك في يوم من الأيام.
إنتي بتكرهيني؟ سأل.
السؤال فاجئني.
مش عشان سأله.
عشان اكتشفت إن الإجابة اتغيرت.
لأ، قلتها أخيراً. أنا مش بكرهك. أنا بكره النسخة اللي كنت بتحولها وأنا بحاول أصغر نفسي عشان أليق على حياتك.
استوعب كلامي في سكون.
وأنا عمري ما هبقى النسخة دي تاني، ضفت.
مش هتبقيها، قال. أنا عارف.
عيد ميلاد ياسين الأول جه في يوم تاني من أيام إسكندرية اللي غرقانة في النور الرمادي الخافت، كأن المدينة كانت بتفكرنا القصة بدأت فين.
مروة أصرت على البلالين. أنا أصرت على عدد قليل من الضيوف. فريدة بعتت كارت ومعاه كتاب أطفال غالي بشكل مبالغ فيه. الحاج محمود جيه ومعاه قطر خشب منحوت وفي عينيه خجل حقيقي. حتى الحاجة زينب جت، بس بعد ما مازن أكد على الحدود تلات مرات، وبعد ما فريدة راجعت صيغة الدعوة لينا كلنا كأننا بنمضي معاهدة سلام.
ياسين لبس بلوفر صغير مروة كانت جيباهوله، وبدأ يفعص في التورتة بتركيز مرعب كأنه زعيم سياسي مستقبلي.
في لحظة من اللحظات، وهو قاعد في كرسي الأكل بتاعه والكريمة مغطية وشه كأنها ألوان حرب، مازن نزل على ركبه جنبه وضحك بانطلاق عمري ما سمعته منه أيام جوازنا. ضحكة حقيقية. مش مترتبة. مش متزوقة. ضحكة إنسان.
وقفت أراقبهم من باب المطبخ والطبق في إيدي، وحسيت بحاجة متوقعتهاش.
مش حنين.
ولا ندم.
راحة.
لأن أكتر حاجة كنت خايفة منها من سنةإن رجوع مازن هيمحينيمحصلتش.
بالعكس، الحدود عملت اللي الحب مقدرش يعمله قبل كده.
خلت الاحترام شيء ممكن وموجود.
بعدها، لما الكل مشي والشقة بقت هادية ومفيش غير صوت غسالة الأطباق وصوت نفس ياسين وهو نايم طالع من جهاز المراقبة، مازن اتأخر شوية عند الباب.
يومه كان حلو، قال.
فعلاً.
وإنتي كمان.
ابتسمت ابتسامة خفيفة. أنا نجيت من طفل عنده سنة غرقان في الكريمة.
إنتي عملتي أكتر من إنك تنجي.
وقفنا هناك في النور الأصفر الهادي بتاع شقتينفس الشقة اللي الحاجة زينب
قالت عليها عار في يوم من الأيام، نفس الشقة اللي حياتي كلها اتغيرت فيها لما دعوة فرح ظهرت في الطرقة كأنها تهديد ملفوف في ورق غالي.
مبقتش حاسة إن الشقة ضيقة.
بقت حاسة إني كسبتها بجدعنتي.
أنا كنت قاصد اللي قلته، مازن ضاف. عن إني هفضل أختار اختيارات مختلفة.
بصيتله. يبقى تعمل كده عشان هو يستاهل ده. مش عشان إنت عايز تكفر عن ذنبك.
هز راسه ببطء. عدل.
مشي، وقفلت الباب وراه بالمفتاح من باب التعود أكتر من الخوف.
وبعدين مشيت لأوضة ياسين.
كان نايم ومفرود على مرتبة السرير زي أي طفل ميعرفش إزاي في كبار حاولوا في يوم من الأيام يخلوا حياته عبارة عن سلطة، عار، ورث، أو منظر اجتماعي. إيد متنية جنب وشه. وشعره طاير من حتة واحدة بشكل مستحيل. ريحته كانت خليط من التورتة، صابون الأطفال، ونوم دافي.
وقفت حاطة إيدي على سور السرير، وسبت نفسي أحس بكل حاجة مكنش عندي وقت أحس بيها صح طول السنة الأولى دي.
الرعب.
الإهانة.
الغضب.
وجع العملية والوحدة.
القوة المرعبة اللي الأمومة بتسحبها منك سحب لما ميبقاش عندك أي اختيار تاني.
أنا منتصرتش عشان مازن اختارني.
هو مختارنيش أصلاً.
أنا انتصرت عشان اخترت نفسي وابني، وفضلت أختارنا في الورق الرسمي، في الروتين اليومي، في رضعات نص الليل، في الردود الهادية، وفي كل حد حطيته عشان أقول إنك مش من حقك تحب الطفل ده بإنك تمحي أمه.
الناس بتحب تقول إن الحب كفاية.
لأ مش كفاية.
الحب من غير احترام بيبقى جوع. الحب من غير حدود بيبقى امتلاك. الحب من غير أفعال بيبقى مجرد خطبة.
اللي أنقذ سنة ابني الأولى مكنش الرومانسية، ولا الإحساس بالذنب، ولا الفلوس، ولا السمعة.
كان النظام اللي اتحط.
كان حقيقة إن في أسوأ يوم في حياتي، والمطر بينزل في طرقة عمارة في إسكندرية، وطليقي واقف متسمر قدام الطفل اللي مكنش يعرف بوجوده، أنا موسعتلوش السكة.
أنا حضنت ابني أجامد.
وخلتني أنا الباب اللي لازم يعدوا منه.
وعمري ما بطلت أعمل كده.
بعدها بشهور، لما ياسين أخد أول خطوات حقيقية ليهتلات خطوات مهزوزين بس مصممين بين الكنبة وإيديا المفتوحةمازن كان موجود.
ومروة كمان.
ياسين كان باين عليه الغضب التام من الجاذبية، وده اللي خلى المشهد أحلى وأحلى.
اتكعبل، صلب طوله، ورمى نفسه عليا بالثقة العميا اللي مش موجودة غير عند الأطفال. لقطته على صدري، وأنا بضحك وبعيط في نفس الوقت.
مازن سقف مرة واحدة، وبعدين ابتسم بالطريقة الهادية اللي اتعلمها على مدار السنة، كأنه أخيراً فهم إن اللحظات العظيمة في العيلة مش بتبقى مبهرة عشان
الناس بتشوفها. هي بتبقى مقدسة عشان في ناس شهدت عليها.
مروة مسحت عينيها وقالت بصوت عالي وهي مش بتكلم حد بعينه أيوه كده يا واد. ادخل على مستقبلك كأنك صاحب المكان.
بصيت لياسين في حضني، وافتكرت كل البيبان اللي الناس حاولت تفتحها على مدار السنة اللي فاتت.
بيبان المستشفى. باب الشقة. البيبان القانونية. البيبان اللي بتأدي لبيوت أكبر، وترتيبات أسهل، وقصص أنضف.
في النهاية، الباب الوحيد اللي كان يفرق هو الباب اللي ابني فتحهولي اللحظة اللي اتولد فيها.
باب لحياة الخوف لسه موجود فيها، بس الخضوع لأ.
حياة أقدر أقول فيها لأ وأفضل متحبة من الشخص الوحيد اللي حبه بجد يفرق.
حياة أبوه يقدر يشارك فيها، بس ميفرضش سيطرته.
حياة مبقتش بتلخبط فيها بين السكوت والسلام.
في يوم العصر على نهاية الصيف التاني ده، أنا ومازن أخدنا ياسين نتمشى على البحر قبل الغروب. كانت أول مرة يشوف فيها البط من قريب، وفضل متنحلهم كأنهم اتخلقوا مخصوص عشان يمتعوه. الماية كانت عاكسة خطوط برتقاني وفضي. الناس بتجري. وعيال بتزعق من بعيد. والمدينة كان ريحتها بحر وتراب مندى، ويمكن لأول مرة، ريحتها أمل.
مازن وطى عشان يظبط طاقية ياسين الصغيرة.
هيسأل أسئلة في يوم من الأيام، قال.
أيوه.
هتقوليله إيه؟
بصيت على البحر.
الحقيقة، قلت. بس اللي تناسب سنه.
ده خلاه يبتسم. والحقيقة اللي هي إيه؟
بصيتله. إنه كان مرغوب فيه. وبشدة. وإن الكبار عملوا غلطات حواليه. وإن أمه حاربت عشانه. وإن أبوه اتعلم متأخر، بس حاول ميفضلش متأخر.
طلع نفس بطيء. وده عدل برضه.
مشينا كمان شوية في سكوت.
وبعدين ياسين شاور على الماية وزعق بكلمة كان صوتها قريب من مركب، رغم إنها ممكن تكون كانت طير أو أزرق أو مجرد أي كلام مش مفهوم مليان بهجة لطفل مبهور بحجم الدنيا.
ضحكت ورفعته لفوق أكتر عشان يشوف.
ورانا، المدينة كانت لسه بتتحرك. وقدامنا، الطريق بيلف مع البحر وبيختفي ورا الشجر.
مش كل النهايات بتبان كأنها الخاتمة.
بعضها بيبان كأنه طريق إنتي أخيراً بقيتي قوية كفاية إنك تمشي فيه من غير ما تتهزي.
ودي كانت نهايتي.
مش رجوع وصافية لبن. مش انتقام. ولا قصة خيالية.
حاجة أحسن من كده.
أم مختفتش من الصورة.
أب اتعلم إن الاهتمام لازم يركع الأول قدام الاحترام.
وطفل هيكبر وهو عارف إنه عمره ما كان فضيحة، عمره ما كان فخ، عمره ما كان ورقة مساومة، ولا سلاح عيلة.
بس ياسين.
ابني. بقلم انجي الخطيب 
الطفل اللي حضنته لما الحياة القديمة خبطت على بابي بدعوة فرح، واكتشفت، بعد فوات الأوان، إني
كنت أخدت قراري واخترت مستقبل مختلف.
والمرة دي، مفيش حدلا حزن، ولا فلوس، ولا كبرياء، ولا إرثهيقدر ياخده مني.
تمت بقلم الكاتبة انجي الخطيب

تم نسخ الرابط