لما اكتشفوا اني قدمت أستقالتي
ردت هناء بكل برود وهدوء:
«لا يا طنط مـنسيتش.. أنا بس مش هـدفع تاني خلاص.»
ساد صمت طويل على الخط، وكأن صاعقة نزلت عليها:
«يعني إيه مش هتدفعي؟ ما أنتِ طول عمرك بتدفعي!»
هناء ردت بابتسامة لأول مرة من سنين:
«طول عمري دي كانت فترة وعدت.. من هنا ورايح كل واحد يشيل شيلته يا طنط. أنا استقلت، ومبقاش معايا مليم لـ "خدماتكم".»
وهنا بدأت المعركة الحقيقية.. الست زينات كانت على الباب الساعة 6 الصبح، بتخبط بجنون وهي بتنادي على "مدحت" عشان يلحق أمه من "جبروت" مراته. لكن هناء فتحت الباب، وهي لابسة لبس البيت وبكل هدوء قالت:
«صباح الخير يا طنط.. اتفضلي اشربي الشاي معانا، بس معلش، المرة دي السكر خلصان، ومدحت هو اللي هينزل يشتريه بفلوسه.»
دخلت الست زينات الصالة وهي بتنهج، ووشها أحمر من العصبية، رمت شنطتها على الكنبة وبصت لهناء بنظرة كلها لوم وعتاب "مصحوب بتهديد":
**الست زينات:** «إيه اللي أنا سمعته في التليفون ده يا هناء؟ يعني إيه مش هتدفعي؟ والنت اللي قطع ده، والكهرباء اللي قربت تخلص شحنها.. أعمل إيه أنا دلوقتي؟ أعيش في الظلمة؟»
مدحت خرج من الأوضة وهو بيفرك في عينه، مش فاهم في إيه:
**مدحت:** «في إيه يا جماعة؟ يا أمي وحدي الله، فيه إيه على الصبح؟»
**الست زينات:** «اسأل ست هانم، اللي باعتة تقولي "كل واحد يشيل شيلته". ده أنا قولت إنك الأصيلة اللي هتصوني ابني في شدته، تقومي تقطعي عني المصروف والفواتير؟»
هناء قعدت بكل برود، وحطت رجل
**هناء:** «بص يا مدحت، عشان منضيعش وقت طنط.. أنا قدمت استقالتي وقعدت في البيت. يعني مفيش مرتب، ومفيش تحويلات، ومفيش فيزا بتدفع "أوتوماتيك" من ورايا. أنا النهاردة زيك بالظبط.. "عاطلة".»
**مدحت (بصدمة):** «استقلتي؟! من غير ما تقوليلي؟ طب ومصاريفنا؟ طب وأمي؟ وأختي اللي كانت مستنية فلوس دروس العيال؟»
**هناء:** «عبير أختك عندها إيدين ورجلين، وتنزل تشتغل زي ما أنا كنت بشقى. والست زينات عندها بنتها "حبيبتها" تشيلها. أنا شيلت 7 سنين، لحد ما وسطى انقطم، وفي الآخر لما بشتري طقم لنفسي بيبقى عيني فيه خرم إبرة. أنا دلوقتي قررت أستريح، زيك كدة بالظبط يا مدحت.. مش أنت بقالك 3 سنين مستني "الفرصة الكبيرة"؟ أديني جيت قعدت جنبك نستناها سوا.»
**الست زينات (بصوت عالي):** «إنتِ أكيد اتجننتي! ده واجبك.. دي عيلة جوزك! عايزة تشمتي فينا الغريب والقريب؟»
**هناء:** «الواجب ده بيبقى بين ناس بتقدر، مش ناس بتعتبرني "ماكينة صرافة". الفلوس اللي كنت بدفعها لكم، أنا أولى بيها دلوقتي عشان أعرف أعيش. ومن النهاردة، الفطار والغدا اللي هيتحط، مدحت هو اللي هينزل يجيب لوازمه.. بفلوسه اللي محوشها، أو ينزل يشتغل أي حاجة، "تليق بمقامه" أو "متليقش".»
**مدحت:** «إنتِ بتلوي دراعي يا هناء؟»
**هناء:** «لأ يا حبيبي، أنا بس "عدلت المايل". الحنفية اتقفلت يا مدحت، واللي عايز يشرب.. يحفر بيره بنفسه.»
بصت هناء لحماتها
**هناء:** «نورتي يا طنط.. بس معلش، مش هقدر أعزمك على الغدا النهاردة، عشان "مدحت" لسه منزلش السوق.»
الست زينات خدت شنطتها وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، وخرجت ورزعت الباب وراها، ومدحت وقف في نص الصالة، لأول مرة يحس إن السقف اللي كان شايلاه هناء فوق دماغه.. بدأ يقع عليه فعلاً متوفره على روايات واقتباسات مرت ساعتين ومدحت لسه واقف مكانه، عينه بتروح وتيجي في الصالة اللي كانت ديماً مترتبة "بفلوس هناء"، ودماغه بتودي وتجيب. فجأة، تليفونه رن.. كانت "عبير".
**مدحت (بزهق):** «أيوة يا عبير.. مش وقتك خالص.»
**عبير (بصوت عالي وسوقي):** «يعني إيه مش وقتي يا مدحت؟ أمك جاتلي البيت بتصوت، وبتقول إن الهانم مراتك طردتها ووقفت الفواتير! والعيال ليهم مصاريف درس الرياضة النهاردة، والبت "جنى" عايزة تشتري الجاكيت اللي قولت لهناء عليه.. هي الفلوس اتأخرت ليه؟»
**مدحت (بصوت واطي وهو بيبص لهناء):** «هناء استقالت يا عبير.. مفيش فلوس خلاص.»
**عبير (بشهقة):** «نعم يا اخويا؟ استقالت إزاي؟ وهي دي تفرط في وظيفة زي دي في الغلا اللي إحنا فيه؟ طب ومصاريفنا إحنا؟ دي كانت قايلة لي هتحجز للعيال في الكورس الصيفي!»
هناء كانت قاعدة في الركن، ماسكة كوباية القهوة بتاعتها وبتبتسم ببرود، شاورت لمدحت يفتح "الاسبيكر" عشان تسمع الرد.. مدحت فتح الصوت وهو إيده بتترعش.
**هناء (بصوت عالي عشان عبير تسمع):** «قولي لها
**عبير (بزعيق):** «إنتِ بتكلميني أنا كدة يا هناء؟ نسيتي نفسك ولا إيه؟ ده إنتِ لولا أخويا مكنش بقى ليكي لازمة!»
**هناء:** «والله أخوكي اللي لولايا كان زمانه مش لاقي تمن السجاير اللي في جيبه. بصي يا عبير، وفري مجهودك وزعيقك ده وشوفي لك شغلانة، عشان أنا النهاردة بعتت "CV" لمدحت في سوبر ماركت جنبنا طالبين كاشير.. يمكن يحن عليكي بقرشين لما يشتغل.»
مدحت بص لهناء بذهول: «أنا أشتغل كاشير يا هناء؟ بعد العمر ده كله؟»
**هناء (بكل حزم):** «والله يا مدحت الكاشير أحسن من العاطل اللي عايش على عرق مراته. قدامك حل من اتنين: يا تنزل دلوقتي تدور على شغل "بجد"، يا تروح تعيش مع مامتك وعبير وتشوفوا هتصرفوا على بعض منين، لأن البيت ده من النهاردة مش هيدخل فيه لقمة إلا بشقاك إنت.»
مدحت سكت خالص، وبص للأرض.. عبير قفلت السكة وهي بتشتم وتتوعد، بس هناء متهزتش.
قامت هناء دخلت أوضتها، وقفلت الباب، وسابت مدحت في الصالة "لوحده" لأول مرة من سنين.. يواجه الحقيقة المرة: إن الحلم الجميل خلص، والواقع المصري الصعب بدأ، ومفيش حد هيشيل الشيلة غيره.
هناء نامت يومها أعمق نومة في حياتها، ومدحت لأول مرة نزل الساعة 5 العصر يشتري جُرنال ويفتح مواقع التوظيف بجدية، والست زينات عرفت إن "دلع الحما" له وقت، ولما
تمت