لما اكتشفوا اني قدمت أستقالتي
لما عرفوا إني قدمت استقالتي ووقفت كل التحويلات البنكية، لقيت حماتي "الست زينات" رزعت على بابي الساعة 6 الصبح.. قالت إيه "جاية تصفي الأمور وتشوف إيه اللي حصل".
خرجت "هناء" من باب الشركة لآخر مرة، وهي شايلة كرتونة صغيرة فيها حاجتها. هوا أكتوبر كان بيطير شعرها، بس هي كانت حاسة بخفة غريبة في قلبها.. لا ندم، ولا تردد، مجرد راحة بال مكنتش دايقتها من سنين.بقلم منال علي
7 سنين شقا في الشركة دي بقوا ورا ضهرها. 7 سنين كان فيها كل قرش من مرتبها بيطير في سكك "معروفة" من قبل ما حتى تلحق تفكر في نفسها. حماتها "الست زينات"، وأخت جوزها "عبير"، وعيال عبير، وفواتير النور والمية، والجمعيات، وعلاجات السكر والضغط، ولبس المدارس.. قايمة مابتخلصش وطلبات مابتشبعش.
الموضوع بدأ بالتدريج.. أول ما هناء اتجوزت "مدحت"، حماتها وضحت لها من أول يوم إن "مرات الابن الأصيلة هي اللي تشيل مع جوزها وتكون نفع للعيلة". هي طبعاً مقالتش كدة بالبونت العريض، بس "الست زينات" كان عندها قدرة عجيبة تخليك تتكسف تقول "لأ".
قالت لها مرة بمسكنة:
"يا هنوئة يا بنتي، وصل النور لسه جاي ومبلغ وقدره، والمعاش يا دوب ممشي البيت بالعافية.. ممكن تدفعيه والشهر الجاي أردهولك؟ رقبتي سدادة يا حبيبتي."بقلم منال علي
وطبعاً "الشهر الجاي" ده عمره ما جه، والطلبات بقت هي اللي بتيجي
"يا هناء، ولاد عبير داخلين على مدارس والدنيا غليت نار، شوفي كدة تقدري تحولي لها كام؟"
"يا هناء، الدكتور كتب لي على دوا مستورد غالي أوي.. إلحقيني يا بنتي، ماليش غيرك."
في الأول، هناء افتكرت إن ده "واجب" وإنها بتساعد أهلها، وده الطبيعي. وكل ما حماتها تتصل، مدحت يهز دماغه ويقول لها:
"معلش يا هناء، ساعدي أمي.. دي ست وحيدة ومالهاش غيرنا."
وحيدة؟! الحقيقة إن الست زينات مكنتش وحيدة ولا حاجة. كان عندها بنتها "عبير"، اللي شغالة في محل ملابس، بس لسبب ما عبير دي مكنتش بتدفع مليم، وكانت شايفة إن ده "فرض عين" على مرات أخوها الموظفة اللي "خيرها كتير متوفره على روايات واقتباسات هناء كانت هي اللي بتحول، وهي اللي بتسدد الفواتير، وتشتري خزين البيت وتروح بيه لحد بيت حماتها. وتقعد هناك تسمع أسطوانة مابتخلصش عن الجيران، وعن صحتها اللي "نازلة في الأرض"، وعن ضيق اليد.
"شوفتي ابن فلانة؟ بيودي أمه المصيف كل سنة ويجيب لها هدايا ذهب.. ومدحت ابني نسي أمه خالص."
وهناء تسكت.. هي عارفة إن مدحت منساش، هو بس رامي الحمل كله على مراته وعارف إنها "ست أصيلة" ومش هتكسفه بقلم منال علي
ومع الوقت، المطالب زادت، لدرجة إن كلمة "شكراً" اتمسحت من القاموس. بقى الفلوس حق مكتسب، وكأن مرتب هناء ده "ميزانية العيلة" اللي الكل له نابت فيها، ومحدش بيستأذن.
عبير
"يا هناء، ابعتي قرشين للعيال.. محتاجين كوتشيات جديدة، والدروس الخصوصية قطمت وسطنا، ومصاريف الأنشطة في المدرسة بقت بالشيء الفلاني."
عيال عبير كانوا زي الفل، وماسكين أحدث الموبايلات، ومع ذلك الفلوس مكنتش بتكفي أبداً. هناء كانت بتبعت عشان مفيش طاقة للخناق، وعشان مدحت كان ديماً رده جاهز:
«يا ستي فيها إيه؟ دول عيال صغيرة، هتستخسري فيهم؟»
عيال.. عيال ناس تانية مابتشوفهمش غير في المناسبات، بس مطلوب منها تشيل شيلتهم وهي ساكتة.
من 3 سنين، مدحت ساب شغله. قال إنه موضوع مؤقت وهيدور على حاجة "تليق بمقامه". بس "المؤقت" ده بقى دايم. كان بيدور ببرود، ويرفض أي شغل مرتبه قليل، ومستني "الضربة الكبيرة". وفي عز الانتظار ده، كل المصاريف بقت فوق دماغ هناء لوحدها — مصاريف بيتهم ومصاريف قرايبه كمان. والست زينات مابطلتش طلبات، بالعكس، دي زادت بحجة إن "مدحت نفسيته تعبانة".
«يا هناء، أنتِ عارفة إن مدحت بيمر بظروف صعبة ومحبش أتقل عليه بطلباتي.. ساعدينا أنتِ بقى، ربنا يجعله في ميزان حسناتك.»
وهناء كانت بتساعد، لأنها زهقت من المناهدة، وزهقت من شرح إن "المرتب مابقاش بيقضي"، وزهقت من جملة "الأهل أولى من أي حاجة". مدحت كان عامل نفسه "مواطن من دولة تانية"، قاعد قدام اللابتوب يلعب أو يتفرج على فيديوهات. ولما هناء
«أنتِ بتكبري الموضوع ليه؟ أمي طلباتها بسيطة، وأختي ظروفها على قدها.»
بسيطة؟! هناء حسبتها في مرة واكتشفت إن تلت مرتبها السنوي بيروح "هدايا ومعونات" لأهل جوزها. تلت كامل طار، ده غير القسط والإيجار والأكل واللبس.. ومكنش بيفضل لها هي مليم لنفسها. ويوم ما فكرت تشتري "طقم" جديد لنفسها، حماتها بصت لها بصه غريبة وقالت:
«ما شاء الله، باين عليه غالي أوي.. وأنا اللي مش عارفة أجيب شريط البرشام بتاعي.»
هناء جزت على سنانها وسكتت.
في الصيف، عبير طلبت فلوس عشان تودي العيال "المصيف" يغيروا جو. هناء حولت الفلوس، وطبعاً مشوفتش منها مليم تاني، بس شافت صورهم على الفيسبوك وهما مهيصين وبياكلوا آيس كريم وبيركبوا مركب. في الوقت اللي هناء قضت فيه إجازتها في بيت أهلها لأنها مكنتش تملك تمن تذكرة السفر.
بقلم منال علي
مدحت قال ببساطة:
«وإيه المشكلة؟ ما إحنا زي الفل أهو ومقضيينها.»
بس هناء مكنتش زي الفل. التعب والضغط النفسي والإرهاق من الحسابات واللوم والتحميل الزايد.. كل ده انفجر جواها مرة واحدة. وقررت.
قدمت استقالتها. فتحت أبلكيشن البنك، وقفت كل التحويلات الدورية، ومسحت أرقام الحسابات المسجلة. مشرحتش حاجة لحد. ببساطة.. قفلت الحنفية.
فات أسبوع في هدوء تام. وفي اليوم الثامن، التليفون رن.. كانت الست زينات:
«يا هناء، أنتِ