قضيت اليوم كله وأنا بطبخ عشا عيد الميلاد للعيلة، من بدري الصبح كنت واقفة من الساعة خمس الصبح قشرت البطاطس وعجنت العجينة للعيش واللفائف وعملت الرومي المحشي والكرانبيري من الصفر وكل حاجة على مزاجهم لأن ريتشارد دايمًا بيقول إن الجاهز زي الكرتون وكنت بحاول أعمل كل حاجة بالحب والجهد بتاعي، وبعد يوم طويل مليان تعب وإرهاق دخلت أوضة السفرة حاملة الطبق الثقيل والريحة الحلوة بتاعت الروزماري والزعتر المحمص والبصل الكراميل وكل حاجة كانت جاهزة على الطاولة بالكريستال اللامع وقلت بصوت مجبر على البهجة العشا جاهز وما حدش حتى قال شكرًا ولا مد لي كرسي، ريتشارد كان ماسك الموبايل ومش فارق معاه خالص، وجيزكا ابنته 22 سنة بصتلي بعين مليانة كره وقالت ساخرة عملتي الصوص من الصفر المرة دي؟ اللي فات كان شكله زفت، ابتلعت كبريائي وقلت لها أيوه مخصوص ليكي، وكان كل الكراسي مليانة إلا كرسي جنب ريتشارد على الشمال اللي المفروض يكون كرسي الست، كرسي الزوجة مشيت نحوه وحطت إيدي على ظهر الكرسي عشان أقعد بعد يوم طويل من التعب وفجأة كل الصوت وقف، جيزكا قامت دفعتني بقوة وأنا اتدحرجت على جنب البوفيه وقالت بصوت
مليان غضب الكرسي ده ليه ماما، ووقفت أستنى رد جوزي يدافع عني لكن ريتشارد اكتفى بتنهيدة وقال ما تعمليش دراما يا إلينا انتي عارفة جيزيكا حساسة حوالين العيد خديلك كرسي من المطبخ أو كلي هناك وابنه تايلر قال شوفى الجو ما تحاولي تبقي ماما وريتشارد ضحك كأنه نكتة وما وبخش على ابنه، وجسمي كله كان موجوع لكن اللي في قلبي كان فراغ كبير حسيت إن كل التعب والشغل والحب اللي بذلته طول السنة ضاع وكأنهم مستنين يجرحوني وما حسوش بيه ووقفت جنب البوفيه مش بكت ولا صرخت بس شلت المئزر وطبقته كويس وحطته على البوفيه وقال ريتشارد وهو ماشي ووشه مليان بطاطس رايحة فين؟ لسّه ما فتحناش الهدايا محتاجاك تجيبي المقص مشيت للمدخل مسكت المعطف والمفاتيح وهمست في الهوا الفاضي أنا مستقيلة وقفل الباب بقوة وريتشارد فضل ياكل ومصدقش إنها مش هترجع ومش عارف إن اللي خرج مش بس مراته ده البنك كمان خرجت من البيت وما رجعتش طول اليوم وفضلت ماشيه في الشوارع والثلج بينزل عليا وحسيت بحرية لأول مرة بعد سنين من التضحيات والحب اللي ما كانش ليه أي تقدير، استخدمت الخبرة اللي اكتسبتها في ترتيب الفلوس والاستثمارات لفتح مشروعي الخاص
وبدأت أشتري وأبيع وأدير وأوسع وأكبر وكل خطوة كنت بحس إن القوة والكرامة اللي ضاعت مني طول السنين رجعتلي أضعاف وبدأت الناس اللي كنت متعلقة بيهم يشوفوا نجاحي الكبير وعيوني مليانة دموع بس دموع فخر وفرح، جيزيكا حاولت تتواصل وطلبت السماح وريتشارد بدأ يسأل عني ويحاول يرجعني لكن الوقت كان فات، أنا بقيت الست اللي مستنية احترامها وكامل استقلالها ماليًا ونفسيًا، الأيام عدت والشهور كملت وأنا بقيت اسم معروف في السوق وأصحابي الجداد والقدامى كلهم بيشهدوا على نجاحي، الناس اللي شافوني صغيرة ومحطوطة في زاوية دلوقتي بيقعدوا يتابعوا خطواتي ويحسوا بالندم والخسارة، وعرض عليا جوايز كتير على نجاحاتي وعلى إدارتي للبيزنس وأخيرًا جه اليوم اللي أخذت فيه جائزة سيدة العام للأعمال، وقفت على المسرح وكل العيون عليا، حسيت إن كل لحظة تعب وعذاب وألم عاشتها قلبي رجعتلي في شكل قوة وسعادة، ضحكت وقلت لنفسي لقدرت أثبت لنفسي وللعالم إن اللي بيستحق الحب والاحترام هو اللي يعرف قيمته وميخليش حد يقلل منه تاني وده كان اليوم اللي اكتشفت فيه أنا مين بجد وكل العالم شافني قوية وناجحة ومستقلة ومفيش حاجة هتقدر توقفني
أو تحطلي حد تاني فوقي أو يقلل مني والفرحة كانت مش بس مالية أو مهنية ده كان انتصار روحي ونفسي على كل اللي حاولوا يحطوني في زاوية طول حياتي ودي كانت البداية الجديدة لحياة مليانة احترام وسعادة وكرامة ونجاح وكل يوم بيعدي بحس إن السنين اللي ضاعت مني قبل كده كانت بس تمهيد لللي جاي، والناس اللي كانوا مستهينين بيا واللي جرحتني قبل كده بقوا يشوفوا الفرق الكبير بين اللي كانوا فاكرينه وبين اللي أنا بقيت عليه دلوقتي، وكل مرة حد بيحاول يقلل مني بحس إن القوة والذكاء والخبرة اللي اكتسبتها رجعتلي ضعف ضعف، وكل لحظة تعب وشقاء وتحملتها طول السنين كانت السبب في النجاح الكبير اللي أنا عايشاه دلوقتي وبقيت رمز للست اللي ما بتخضعش للظلم وبتعرف قيمتها وبقت حياتي مليانة حرية وسعادة واحترام ومحبة لنفسي ولللي حواليا، والفرحة الكبيرة إن كل اللي حاولوا يقهروني قبل كده بقوا يشوفوا النجاح والكرامة قدام عينيهم وده كان أحسن شعور في الدنيا وأنا واقفة دلوقتي بقوة وابتسامة على وشّي وأنا عارفة إن أنا أخيرًا بقيت أنا اللي بتحكم حياتي وبتاخد كل الحق اللي يخصني من غير ما أستنى حد يوافق أو يدافع عني.