نصيب مكتوب بقـلم منـي الـسـيد

لمحة نيوز

​في وسط الزحمة على رصيف المحطة، الدنيا اتقلبت في لحظة. ست شكلها مڼهار وقفت قدامي، وفي إيدها شنطة جلد قديمة، وبتقرب مني طفل صغير.

​"خديه.. أبوس إيدك خديه!".. الست زقت الشنطة في إيدي وحذفت الولد ناحيتي وهي بتترجاني. كنت لسه ماسكة أكياس الخضار والطلبات اللي جايباها من مصر وراجعة بيها لبيتنا في البلد. رديت وأنا مش فاهمة حاجة: "يا ستي في إيه؟ إنتي مين؟ والولد ده ابن مين؟"

بقـلم منـي الـسـيد 

​"اسمه مروان.. عنده تلات سنين ونص".. الست كانت ماسكة في كم جلاليبي بكل قوتها لدرجة إن صوابعها ابيضّت. "الشنطة فيها كل حاجة محتاجها.. أرجوكي ما تسيبيهوش!"

​الولد اتسند على رجلي وبص لي بعيون بنية واسعة، شعره كان ملموم ولونه فاتح، وفي خربوش صغير على خده. قولت بذهول: "إنتي أكيد بتهزري! خدي ابنك يا ست إنتي.. الشرطة والشؤون والناس تقول إيه؟"

​"مفيش وقت!".. صوتها

كان طالع بالعافية، يقطع القلب. "الدنيا ضاقت بيا ومفيش قدامي حل غير كدة.. افهميني، مفيش مفر!"

​فجأة، فوج من الركاب زقونا ودفعونا جوه القطر والزحمة كانت عمياء. لفت وشي وبصيت من الشباك، لقيت الست واقفة على الرصيف حاطة إيدها على وشها والدموع نازلة من بين صوابعها زي الشلال.

​"ماما!".. مروان شاور على الباب، بس أنا مسكته بسرعة وقلبي بيدق بطريقة غريبة. القطر اتحرك، متوفرة علي روايات و اقتباسات وصورة الست بدأت تصغر وتصغر لحد ما اختفت في ضلمة الغروب…​قعدنا على دكة خشب بالعافية، الولد كش في حضڼي وبدأ يشم في هدومي ويهدى. والشنطة في إيدي تقيلة.. تقيلة بزيادة، هو فيها إيه؟ طوب؟

​"يا طنط.. ماما هتيجي؟"

"هتيجي يا حبيبي.. أكيد هتيجي."

​طول الطريق فكرة واحدة في راسي: "إيه الجنان ده؟" بس الولد حقيقي، جسمه دافي، وريحته بيبي وبسكوت.

​لما وصلت البيت، كان منصور جوزي

بيرص الحطب في الحوش. أول ما شافني ومعايا الطفل، اتسمّر مكانه والخشب وقع من إيده.

​"يا مشيرة! مين ده؟ وجبتيه منين؟"

"مش منين.. قولي نصيبنا إيه.. ده مروان."

​حكيت له كل حاجة وأنا بعمل شوية مهلبية للولد. منصور كان بيمسح جبهته وعروق إيده باينة من التفكير: "إحنا لازم نبلغ المركز فوراً!"

​"يا منصور مركز إيه؟ هقولهم إيه؟ واحدة سلمتني ابنها في المحطة كأنه شنطة هدوم؟"

"أومال ناوية على إيه؟"

​مروان كان بياكل المهلبية بلهفة، بس كان بياكل بنظام، ماسك المعلقة بإيد ثابتة. ولد مؤدب ومتربي. قولت لمنصور: "تعال نشوف الشنطة دي فيها إيه الأول."

​قعدنا مروان قدام التلفزيون يتفرج على "بوجي وطمطم"، وفتحنا الشنطة.. ونازل عليا الذهول. فلوس! رزم ورا رزم، متغلفة بعناية.

"يا نهار أبيض!".. صړخة مكتومة من منصور.

​مسكت رزمة عشوائية.. ميتات، ومتينات.. عدينا بالنظر كدة، كان

فيه بتاع 15 مليون جنيه. "ده كنز يا منصور.. كنز وقع علينا من السما." بصينا لبعض متوفرة على روايات و اقتباسات ، وبصينا للولد اللي بيضحك قدام التلفزيون ببراءة ميعرفش إن حياته وحياتنا اتغيرت في اللحظة دي…

بقـلم منـي الـسـيد 

عوض، صاحب منصور الانتيم، هو اللي حلها لنا. جه بعد أسبوع وقال بصوت واطي: "بصوا.. هنقيده كأنه طفل لقيناه قدام الجامع. ليا معارف في الشؤون وفي مكتب الصحة هيخلصوا الأوراق من غير شوشرة.. بس الموضوع ده هيحتاج.. مصاريف إدارية شوية."

​الأوراق خلصت في تلات أسابيع. مروان منصور البحيري، رسمياً بقى ابننا. قلنا للجيران إنه ابن أخويا من مصر وأهله ماتوا في حاډثة.

​بدأنا نصرف من الفلوس بحكمة. لبس غالي لمروان، كتب، ألعاب، وعجلة. ومنصور صلح السقف وبنى أوضة زيادة. مروان كبر قصاد عينينا، وهو عنده 5 سنين كان بيقرأ ويكتب ويحل مسائل حسابية. المدرسة

قالت لي: "ابنك نابغة! ده لازم مدرسة لغات في البندر."

تم نسخ الرابط