عند بلوغي سن الأربعين
في الأربعين من عمري وافقت على الزواج من رجل يعاني من إعاقة في ساقه. لم يكن بيننا أي حب. في ليلة الزفاف ارتجفت عندما رفعت الغطاء واكتشفت حقيقة صادمة.
كانت ريبيكا سلون في الأربعين من عمرها عندما وافقت على الزواج من رجل يمشي بساق مبتورة وقلب هادئ. لم يكن هناك حب عاصف ولا شغف جامح في هذا القرار. لم يكن هناك سوى إرهاق لطيف لامرأة طاردت الحب طويلا ولم تجد في نهاية كل طريق سوى وعود كاذبة.
لسنوات شاهدت ريبيكا صديقاتها يتزوجن ثم يطلقن ثم يتزوجن مرة أخرى ويتحدثن عن الحب وكأنه لعبة حظ. جربت هي الأخرى واثقة بالابتسامات الساحرة والكلمات المعسولة لتهمل بمجرد أن يزول سحرها. كل خيبة أمل تركت في داخلها بصيص أمل حتى تلاشى الأمل نفسه.
كثيرا ما كانت والدتها تجلس بجانبها في المطبخ الصغير لمنزلهم المستأجر في مابل غلين وهي بلدة هادئة تقع بين تلال متموجة وحقول من العشب البري. في الأمسيات التي يشتد فيها الشعور بالوحدة كانت والدتها تتنهد وتقول بلطف ربما عليك التوقف عن البحث عن الألعاب النارية يا عزيزتي. جارنا
كان اسمه دانيال غرايسون. كان يسكن في منزلين مجاورين في كوخ خشبي قديم من خشب الأرز مع والده المسن. عندما كان في السابعة عشرة من عمره تسبب حادث سيارة في تهشيم ساقه اليمنى مما جعله يعرج بشكل دائم. كان يصلح الأجهزة الإلكترونية لنصف سكان البلدة ولم يكن يتقاضى من كبار السن مبالغ باهظة. كان قليل الكلام كثير الابتسام ولم ينظر إلى ريبيكا قط إلا باحترام صامت.
انتشرت شائعات في أرجاء مابل غلين مفادها أن دانيال كان يحبها لسنوات لكنه لم يجرؤ على البوح بذلك. لاحظت ريبيكا نظراته وإيماءاته الصغيرة وكيف كان يصلح أجهزتها المنزلية دائما دون تأخير. مع ذلك لم تفكر فيه بجدية قط حتى أدركت في اليوم الذي بلغت فيه الأربعين أن انتظار الكمال قد تركها وحيدة.
في إحدى ظهيرات الأيام الممطرة والرياح تهز النوافذ والأوراق المتساقطة تتطاير عبر الشرفة وقف دانيال أمامها ممسكا بزنبقة بيضاء واحدة.
قال بصوت ثابت رغم ارتعاش يديه قليلا أعلم أنني لست
استمعت ريبيكا إلى صوت المطر وشعرت بثقل سنوات عمرها يضغط على صدرها. فكرت في العطلات الفارغة والعشاءات الهادئة والمكالمات الهاتفية التي لم تأت قط. أومأت برأسها.
همست قائلة نعم فلنجرب.
لم يكن هناك حفل زفاف فخم. لا فستان من حرير ولا كنيسة من رخام. بل مجرد حفل صغير في غرفة معيشة والدتها بحضور بعض الأصدقاء المقربين وطعام بسيط وشموع تومض مع نسيم المساء. عندما غادر آخر ضيف استلقت ريبيكا في غرفة نومهما الجديدة تستمع إلى صوت المطر وهو يقرع السقف كأصابع ناعمة.
دخل دانيال وهو يحمل كأسا من الماء.
قال بلطف اشرب. لا بد أنك متعب.
كان صوته هادئا كدفء الشاي في يوم بارد. سحب الغطاء فوق كتفيها وأطفأ المصباح وجلس على حافة السرير. كان الصمت ثقيلا مليئا بالريبة والخوف. أغمضت ريبيكا عينيها تنتظر شيئا لم تعرف كيف تسميه.
وبعد لحظة تحدث دانيال وكان صوته بالكاد أعلى من صوت المطر.
يمكنك النوم. لن ألمسك حتى تكون مستعدا. لا أريدك
فتحت ريبيكا عينيها في الظلام. رأته مستلقيا على جنبه وظهره مدار تاركا مسافة حذرة بينهما كما لو كان يخشى أن يلحق بها الأذى بمجرد الاقتراب. شعرت بدفء يغمر صدرها. كانت تتوقع شعورا بالالتزام لكنها وجدت بدلا من ذلك رقة ولطفا.
في صباح اليوم التالي تسللت أشعة الشمس عبر ألواح الأرضية. وضعت صينية على طاولة المطبخ عليها خبز محمص وبيض وكوب من الحليب الدافئ. وإلى جانبها كانت هناك ملاحظة مكتوبة بخط يد أنيق.
ذهبت لإصلاح تلفاز أحد الزبائن. لا تخرجوا إذا أمطرت مجددا. سأعود لتناول الغداء. دانيال.
قرأت ريبيكا الرسالة عدة مرات. تجمعت الدموع في عينيها. لقد بكت ليال عديدة لأن الرجال تركوها. في ذلك الصباح بكت لأن أحدهم بقي.
في ذلك المساء عاد دانيال إلى المنزل تفوح منه رائحة اللحام والزيت. جلست ريبيكا تنتظر على الأريكة البالية ويداها متشابكتان بإحكام.
نادت بصوت خافت دانيال.
رفع رأسه مترددا. نعم ريبيكا.
تعال اجلس بجانبي.
اقترب ببطء وكانت مشيته العرجاء ثابتة ومألوفة. التقت عينا ريبيكا