مليونير يصل مبكرا الى منزله الريفي
خطوة وأن التقدم بطيء إلى حد الإحباط بطيء إلى درجة تغري باليأس. أيام يختلط فيها الأمل بالتعب ويصبح الصبر نفسه امتحانا قاسيا.
ومع ذلك كان الطريق هذه المرة مختلفا. لم يكن مظلما كما كان في السابق حين كانت القرارات تتخذ بدافع الخوف وحين كانت الحقيقة تدفن تحت طبقات من التبرير والإنكار. لم يكن مليئا بالأوهام ولا بالوعود السهلة التي لا تصمد أمام أول اختبار. كان طريقا واضحا حتى وإن كان شاقا ترسم معالمه بالصبر المتواصل وبالصمت حين يصبح الكلام عبئا إضافيا وبمحاولات الفهم الأولى التي قد تفشل مرة وتنجح أخرى دون أن يعني الفشل نهاية المسار.
تعلموا أن التقدم لا يعني دائما التحسن السريع وأن الشفاء لا يسير في خط مستقيم. تعلموا أن بعض الأيام تحسب إنجازا لمجرد أنهم مروا بها دون أن ينهاروا وأن بعض الخطوات الصغيرة غير المرئية هي في الحقيقة أساس كل ما سيأتي لاحقا.
لم يعودوا يبحثون عن الكمال ولا عن صورة الأسرة المثالية التي تعرض للناس وتخفى حقيقتها في الداخل. تخلوا عن فكرة أن كل شيء يجب أن يبدو متماسكا من
كانوا يبحثون عن بيت لا تقاس قيمته باتساعه بل بقدرته على الاحتواء. عن علاقة لا تقوم على السيطرة أو التوقعات بل على القبول حتى حين يكون القبول صعبا.
وعلى الأقل لم يعودوا يسيرون في الظلام. لم يعودوا يتحسسون الطريق بأيدي مرتجفة ولا يتقدمون وهم مغمضو العيون. صار هناك ضوء خافت لا يبدد كل العتمة لكنه يكفي ليروا الخطوة التالية ويكفي ليمنحهم شجاعة الاستمرار.
وأحيانا لا نجد الإجابات الأهم في التقارير الطبية ولا في التشخيصات الباردة ولا في الكلمات الكبيرة التي تقال بثقة وكأنها حقائق نهائية. أحيانا نجدها في التفاصيل الصغيرة التي لا تدون في الملفات في نظرة تطمئن في يد تمسك دون سؤال في شخص ينصت دون شروط ويرى دون أحكام ويفهمنا دون حاجة إلى شرح طويل.
نجدها في أولئك الذين يختارون البقاء حين يكون الرحيل
هؤلاء لا يطلبون شكرا ولا ينتظرون تصفيقا ولا يبحثون عن دور يروى في القصص. يفعلون ما يفعلونه بصمت لأنهم يؤمنون أن بعض الأفعال تفقد قيمتها حين تقال أكثر مما تفعل. يصنعون الفارق لا بخطابات كبيرة بل بحضورهم الصادق بثباتهم اليومي وباختيارات صغيرة تتراكم حتى تغير المصير.
وأحيانا نجد الحقيقة في قلب قرر أن يرى الإنسان قبل الحالة أن يرى الوجه قبل الملف والصوت قبل التشخيص. قلب لم يسمح للأرقام ولا للتقارير أن تختصر حياة كاملة في توصيف واحد ولم يسمح للخوف أن يحجب عنه إنسانية من أمامه. قلب اختار أن يرى الطفل قبل المرض والألم قبل
هو قلب اختار أن يتحمل ثقل الفهم بدل خفة الإنكار أن يسأل بدل أن يكتفي بالإجابات الجاهزة وأن يقف في منطقة رمادية متعبة بدل الاحتماء بأحكام سريعة ومريحة. قلب دفع ثمن الوعي رغم أن الجهل كان أيسر ودفع ثمن التعاطف رغم أن القسوة كانت أقل كلفة.
وهناك في ذلك الصمت الذي لم يعد مخيفا الصمت الذي لم يعد هروبا ولا فراغا بل مساحة للتأمل ولإعادة ترتيب الداخل بدأت الحياة تستعيد معناها ببطء. صمت يسمح للأفكار أن تنضج وللجراح أن ترى دون استعجال وللثقة أن تبنى من جديد حجرا فوق حجر.
لم يكن ما حدث معجزة مفاجئة ولم تكن نهاية مثالية تغلق كل الأسئلة. كان مسارا إنسانيا حقيقيا مليئا بالتردد أحيانا وبالخطأ أحيانا أخرى لكنه صادق في جوهره. مسارا يبنى خطوة خطوة لا بالقفز بل بالمشي الواعي. يصان بالصدق حين يكون الصدق صعبا ويستمر ما دام هناك من يختار أن يرى بدل أن يشيح بوجهه وأن يبقى بدل أن ينسحب وأن يحاول حتى حين لا يكون هناك ضمان للنتائج.
وفي هذا الاختيار المتكرر اليومي الصامت ولد المعنى