تخلى عنهم أبناؤهم
في أي لحظة.
هذا هذا غير معقول همست روزا.
عثر أرماندو على فانوس زيت فوق طاولة وأشعله بحذر. أضاء الضوء الذهبي تفاصيل جعلت جلديهما يقشعر أغطية مطوية وحطب مقطوع ومخزن عامر. لم يكن البيت موجودا فحسب كان معتنى به بحب.
على طاولة المطبخ وجدت رسالة. ورقها مصفر وخطها رقيق. كتب في أعلاها إلى أبنائي الأحباء.
أمسكت روزا الورقة بيدين مرتجفتين وبدأت تقرأ بصوت خافت كأنها تخاطب نائما
أبنائي الأحباء إن كنتم تقرؤون هذا فقد وجدتم أخيرا طريق العودة إلى البيت.
شدت الكلمات حلقها. تحدثت عن امرأة تدعى سوليداد فارغاس وعن زوج اسمه ألبرتو وعن بيت شيد حجرا حجرا ليكون ملاذا حين صار العالم قاسيا. تحدثت عن حطب للشتاء ومؤونة عامرة وصندوق تحت السرير يحوي وثائق وادخارات. وتحدثت قبل كل شيء عن انتظار طويل عقود من الأمل بعودة أبناء لم يعودوا قط.
رفعت روزا رأسها والدموع تملأ عينيها
أرماندو هنا عاشت امرأة هجرها أبناؤها أيضا.
ابتلع أرماندو ريقه ونظر إلى المكان بخشوع كأن البيت محراب. وحين أنهت روزا القراءة ظلت جملة معلقة في الهواء
لا تشعروا بالذنب لأنكم تقيمون هنا. هذا المكان صنع بالحب ويجب أن يظل بيتا.
في تلك الليلة وللمرة الأولى منذ الإخلاء تناولا طعاما ساخنا. أشعل أرماندو الموقد وسخن حساء خضار من علبة.
لكن روزا لم تنم. في العتمة كان اسم سوليداد ينخز ذاكرتها. لم تكن تعرف امرأة بهذا الاسم ومع ذلك كان الاسم يلامس قلبها كيد مألوفة.
أرماندو أشعر أنني كنت هنا من قبل.
سكت أرماندو لحظة ثم قال بلطف يخشى كسر الهشاشة
روزا ألم يخبرك والداك بالتبني يوما عن عائلتك البيولوجية
اخترقت السؤال صدرها. كانت تعرف أنها متبناة منذ طفولتها ولا شيء أكثر. كلما سألت غير والداها الموضوع بتهذيب مربك
لم تكن أمك البيولوجية قادرة. لا شيء غير ذلك.
ولماذا تسأل قالت بحدة دفاعية.
لأن هذا البيت وهذه الرسائل وتلك الصورة التي وجدتها تردد هناك مصادفات كثيرة.
مع ضوء الصباح المتسلل من فتحة صغيرة في المنحدر قررا الاستكشاف بهدوء. في خزانة غرفة النوم وجدا ملابس نظيفة معلقة وفي القاع علبة أحذية تحوي صورا. التقطت روزا واحدة فتجمدت كانت المرأة المسنة في الصورة تحمل ملامح تشبهها حد المرآة المتقادمة.
أرماندو انظر.
قد تكون مصادفة حاول أن يقول لكن صوته لم يكن مقنعا.
تذكر الرسالة
تحت السرير في الغرفة الرئيسية صندوق يحوي وثائق مهمة.
حركا السرير.
فتح أرماندو ملفا كتب عليه سجلات. قرأ وثيقة ثم أخرى ثم تجمد
روزا انظري إلى هذا سوليداد فارغاس دي راميريز.
شعرت روزا بضربة في صدرها. وفي ملف آخر بعنوان وثائق الأبناء كانت ثلاث شهادات ميلاد أصلية وثلاث وثائق تبن طفلة وطفلان تواريخ 1958 و و.
أمسكت روزا بالوثيقة الأولى فمال العالم
روزا ماريا راميريز مولودة في الخامس عشر من مارس 1958.
كان تاريخها. اسمها. واسم الأم سوليداد فارغاس دي راميريز.
أطلقت روزا صوتا لا هو كلمة ولا بكاء
أرماندو أنا هي.
احتضنها أرماندو وهي تنهار مرتجفة كأن عمرا كاملا تراكم في جسدها. أربعون عاما من الأسئلة من الشك في كونها محبوبة أو متروكة. وإذا بالحقيقة تظهر كانت أمها البيولوجية موجودة ولم تكن موجودة فحسب بل بنت بيتا سريا تطل به على حياة روزا وتنتظر في صمت.
في الصندوق رسالة طويلة بعنوان تاريخ العائلة. قرأها أرماندو بصوت عال لأن روزا لم تستطع الإمساك بالورق دون أن تبلله دموعها. روت سوليداد سنوات الجفاف والجوع والبطالة وألم عدم توفر الحليب لثلاثة أطفال. روت زيارة الأخصائي الاجتماعي وعرض التبني.
تدفقت إلى ذاكرة روزا ومضات امرأة تجلس في آخر القاعة في حفلات المدرسة ابتسامة تتكرر في الكنيسة متبرعة مجهولة دفعت جزءا من رسوم دراستها. أشياء بدت مصادفات في الطفولة وصارت الآن قطعا مكتملة.
كشفت الرسالة أمرا آخر كانت سوليداد قد رأت أزمة روزا الأخيرة وشهدت الإخلاء ورأت الأبناء يديرون ظهورهم فتركت دلائل تقودها إلى البيت حين تكون في أشد الحاجة. لم يكن شيء مصادفة.
تنفست روزا بعمق لأول مرة منذ سنوات
أمي كانت تحبني كانت تحبني دائما.
أمضيا أياما في البيت يقرآن الرسائل ويلمسان الأشياء ويشعران بأن شيئا نائما يستيقظ في روزا. وفي غرفة خفية خلف رفوف عثرا على أرشيف سري قصاصات صحف وصور الأبناء الثلاثة ووثائق وثلاثة صناديق صغيرة بأسماء. في صندوق روزا كانت دمية قماشية. أمسكتها روزا وتعرفت إليها دون أن تدري كيف كأن الجسد تذكر قبل العقل.
ثم وجدا يوميات كشفت أن روزا لم تسلم للتبني رضيعة بل في سن عامين ونصف. قرأت السطر فانكسر قلبها انكسارا مختلفا لذلك بدا البيت مألوفا ولذلك جاءت الأحلام ولذلك كان إحساس البيت.
احتواها أرماندو بصمت
جاء الدور على