جعلني زوجي أشتضيف حفل عيدميلاده وذراعي مكسوره

لمحة نيوز


فمه مفتوح لكن الكلمات خانته محاميتي تحدثت بهدوء مهني تشرح الإجراءات وكأننا في مكتب رسمي لا في حفلة عيد ميلاد أما الضيوف فكانوا أسرى المشهد لا أحد يجرؤ على الحركة لا ضحكات لا موسيقى فقط حقيقة عارية ظهرت فجأة في غرفة كانت منذ دقائق مليئة بالمجاملات الزائفة. حاول زوجي أن يستجمع نفسه قال بصوت مبحوح إن هذا سوء تفاهم وإننا سنتحدث لاحقا وإن هذا ليس المكان المناسب نظرت إليه للمرة الأولى منذ سنوات بلا خوف بلا تردد وقلت إن المكان مناسب تماما لأن هذا هو المكان الذي كنت أجبر فيه دائما على التظاهر بأن كل شيء مثالي. بدأت أروي تفاصيل لم يسمعها أحد من قبل كيف كنت أستيقظ قبل الجميع وأنام بعدهم كيف كانت احتياجاته دائما أولوية وكيف كنت ألام إذا تعبت وكيف كان الألم يقابل بالسخرية وكيف صارت كرامتي عبئا يجب إسكاته. حماتي حاولت مقاطعتي لكن نظرة واحدة مني جعلتها تصمت ربما لأنها رأت لأول مرة أنني لم أعد تلك الزوجة التي تنحني. أحد أصدقائه تمتم باعتذار وآخر انسحب بهدوء وكأن الحقيقة كانت أثقل من قدرتهم على البقاء. المحامية أنهت كلامها ووضعت الأوراق على الطاولة

وقالت له إن التوقيع سيأتي عاجلا أم آجلا سواء اليوم أو عبر المحكمة. لم أكن أرتجف رغم أن ذراعي كانت تؤلمني كان الألم هذه المرة مختلفا كأنه يذكرني بأنني ما زلت حية. غادرت الغرفة ببطء سمعت خلفي همسات وبكاء مكتوما وصوت زوجي ينهار أخيرا لكنني لم ألتفت. في تلك الليلة نمت لأول مرة دون أن أشعر بالذنب لأنني لم أرض أحدا. في الأيام التالية انتقلت إلى شقة صغيرة بسيطة لكنها كانت لي وحدي تعلمت كيف أطلب المساعدة دون خجل وكيف أقول لا دون خوف وكيف أستخدم مدخراتي لأبني نفسي لا لأزين حياة غيري. ذراعي شفيت مع الوقت لكن ما شفي حقا كان شيء أعمق الجزء الذي كان مكسورا في داخلي منذ سنوات. سمعت لاحقا أن صورته الاجتماعية تضررت أن الناس بدأوا يرونه كما هو لكن ذلك لم يعد يعنيني لأن الدرس الحقيقي لم يكن له وحده بل لي أنا أن الصمت لا يحمي وأن التضحية بلا حدود ليست فضيلة وأن أحيانا أقسى لحظة في حياة شخص ما تكون بداية حريتك أنت.
مرت الأسابيع بعد تلك الليلة وكأنها عمر كامل كل يوم يحمل ثقل سنوات لم أعشها لنفسي وكل صباح أستيقظ فيه دون صوته المتذمر أو أوامره الصغيرة كان يبدو
غريبا ومربكا في البداية ثم مريحا بشكل لم أتخيله. الشقة الجديدة كانت هادئة جدرانها عارية تقريبا لكن الفراغ فيها لم يكن مخيفا بل كان مساحة أتنفس فيها للمرة الأولى أضع كوب القهوة حيث أريد أترك النافذة مفتوحة حتى لو كان الجو باردا ولا أحد يسألني لماذا أو يشتكي. بدأت إجراءات الطلاق رسميا جلسات طويلة في مكاتب محامين أوراق تراجع ذكريات تستدعى رغما عني حاول هو في البداية أن يلعب دور الضحية قال إنني دمرته وإن ما فعلته كان فضيحة لا تغتفر لكن كل مرة كان يرفع صوته كنت أزداد هدوءا وكأنني أستمد قوتي من كل مرة سكت فيها سابقا. في إحدى الجلسات حاول التقليل من إصابتي قال إنني أبالغ وإن كسر الذراع لا يبرر كل هذا عندها رفعت كم جبيرتي القديمة التي كنت أحتفظ بها في حقيبتي ليس لأثبت الكسر بل لأتذكر نفسي وقلت للقاضي بهدوء إن الكسر الحقيقي لم يكن في العظم بل في سنوات من الإهمال والاستخفاف رأيت نظرة تفهم في عيون لم أتوقع أن تنظر إلي أصلا. حماتي لم تكف عن إرسال الرسائل مرة تهديد مرة استعطاف مرة اتهام بأنني السبب في خراب البيت كنت أقرأ وأحذف دون رد لأنني أدركت أخيرا
أنني لست مطالبة بالدفاع عن قراري أمام من لم يعش حياتي. بدأت أعود لأشياء نسيتها قرأت كتبا كنت أؤجلها مشيت في الشارع بلا استعجال ضحكت مع صديقات قديمات كنت قد ابتعدت عنهن لأن وجودهن كان يزعجه ومع كل ضحكة كنت أشعر بأن قطعة أخرى من نفسي تعود إلى مكانها. في إحدى الليالي جلست وحدي أتأمل الندبة الصغيرة التي تركها الكسر بعد أن شفي لم تكن قبيحة بل كانت تذكارا علامة على نقطة التحول على اليوم الذي سقطت فيه جسديا لكنني وقفت روحيا. علمت لاحقا أنه حاول إقامة حفلات أخرى أن يعيد صورته القديمة لكن شيئا ما انكسر في نظر الناس لأن الحقيقة حين تقال مرة لا يمكن محوها بالكامل. أما أنا فبدأت أعمل من جديد أدخر المال لا خوفا بل تخطيطا أتعلم كيف أضع حدودا دون شعور بالذنب وكيف أختار نفسي دون اعتذار. لم أعد تلك المرأة التي تبتسم لتتفادى الغضب ولا التي تصمت لتبقي السلام صرت امرأة تعرف أن السلام
الحقيقي لا يأتي إلا حين تتوقف عن ذاتها. وفي كل مرة أتذكر تلك الحفلة لا أراها كانتقام بل كطقس عبور نهاية دور وبداية حياة حياة لم تكن مثالية لكنها كانت حقيقية وكانت لي أخيرا.

 

تم نسخ الرابط