طلبت مني أحدى صديقاتي أن اقرضها 8000 وقد فعلت
تعرفنا في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك داخل المدينة الجامعية كنا فتاتين معدمتين تقريبا قدمنا من بلدتين صغيرتين هي من فيراكروز وأنا من ميتشواكان كنا نتشارك غرفة صغيرة رطبة في حي كوپيلكو نعيش على الحساء السريع ونضحك كثيرا لطرد حنيننا إلى بيوت بعيدة
كان اسمها كاميلا روخاس كانت أعز صديقاتي من أولئك اللواتي تتقاسم معهن آخر فنجان قهوة دون أن تحسب الحساب
بعد التخرج فرقتنا الحياة كما تفعل دائما حصلت أنا على وظيفة مستقرة كمحاسبة في غوادالاخارا بينما قبلت كاميلا عملا في المبيعات في مونتيري كنا نتواصل بين حين وآخر نتحدث عن الحسابات والانفصالات والوجبات المحروقة إلى أن جاءت تلك الليلة التي وصلتني فيها رسالتها
ماريانا أحتاج إلى المال والدي يعاني من مشكلة في القلب سقف منزلنا انهار بسبب الإعصار أرجوك سأعيده خلال عام واحد
لم أتردد لحظة كانت عائلتي حولت لها ثمانية آلاف يورو كل مدخراتي واستدنت ألفا إضافيا من بعض الأصدقاء لأكمل المبلغ
بكت عبر الهاتف وعدتني بإعادة كل قرش شكرتني مرارا وقالت إنني أفضل صديقة عرفتها في حياتها
ثم اختفت
رقمها خارج الخدمة وحساباتها على مواقع التواصل خالية تلاشت كأنها
انتظرتها أشهرا ثم سنوات ومع الوقت تحول چرح إلى شيء أكثر صمتا خجل لم أخبر أحدا بما حدث
بعد ثلاث سنوات مضت الحياة كنت على وشك الزواج من دانيال مهندس نظم رائع كان يرى في ولائي الصامت أعظم فضائلي قررنا حفلا صغيرا وبسيطا في مزرعة قرب مدينة تيكيلا في خاليسكو شمس دافئة أزهار الجهنمية موسيقى هادئة ومئة شخص من المقربين
كان كل شيء يسير على ما يرام حتى توقفت سيارة تسلا بيضاء أمام المدخل مباشرة
التفتت الأنظار نزلت من السيارة امرأة طويلة لافتة ترتدي بدلة أنيقة وحذاء من تصميم فاخر وعطرا ثمينا ظل عالقا في الهواء كأنه توقيع
ثم رأيت وجهها
كاميلا
انقبض حلقي وتعالت همسات المدعوين ولم أعد أستطيع التنفس ابتسمت وكأن السنوات الثلاث الماضية لم تكن سوى وقفة قصيرة في حديث طويل تقدمت نحوي مباشرة وانزلقت في يدي ظرفا سميكا بلون كريمي
قالت هامسة مبارك يا ماريانا إنه أهم يوم في حياتك
كانت العيون كلها علينا كان الظرف ثقيلا مختوما بشمع ذهبي ارتجفت يداي وأنا أفتحه
لم يكن فيه مال ولا شيك
كانت هناك ورقة واحدة مطوية
ظننتها اعتذارا لم تكن كذلك
كانت رسالة بخطها
ماريانا أعلم أنك تكرهينني ولديك كل الأسباب لكن قبل أن تحكمي علي عليك أن تعرفي الحقيقة
ابتلعت ريقي عم الصمت القاعة أمسك دانيال بيدي لكنني بالكاد شعرت بذلك
قبل ثلاث سنوات لم أكذب عليك كان والدي مريضا جدا لكن ما لم أخبرك به أنني كنت أيضا متورطة في أمر يفوقني الشركة التي عملت فيها كانت
تغسل الأموال وحين حاولت الإبلاغ تلقيت تهديدات
امتلأت عيناي بالدموع
أخذت ثمانية آلاف يورو منك وهربت كانت تلك وسيلتي الوحيدة للبقاء والبدء من جديد
تابعت القراءة
بهذا المال افتتحت متجرا صغيرا لبيع الملابس المستعملة في مازاتلان كان ملجئي الوحيد من الخۏف ومن المطاردة ومن نفسي لم يكن متجرا حقيقيا في بدايته بل غرفة ضيقة في شارع جانبي برفوف خشبية قديمة ومصباح واحد يتدلى من السقف كنت أفتح الباب كل صباح بيد مرتجفة وأغلقه ليلا وأنا بالكاد أقوى على الوقوف عملت ليلا ونهارا بلا عطلات بلا شكاوى وبلا أحد أستند إليه كنت أعيش على القليل وأنام على أمل هش لكنني تمسكت به كما يتمسك الغريق بخشبة في بحر هائج ثم بعد سنوات من الصبر بعته لم يكن ثمنه كبيرا لكنه كان
كانت الكلمات ثقيلة لا لأن معناها صعب بل لأنها تحمل سنوات كاملة من الصمت والخۏف والنجاة القاسېة شعرت وكأن كل سطر منها كان اعترافا متأخرا وكل فاصلة تنهيدة محپوسة
هذه السيارة وهذه الملابس وكل ما ترينه حولك اليوم لا يعرفني ليست هي قصتي ولا حقيقتي الحقيقة هي تلك الليالي التي بكيت فيها وحيدة وأنا أتساءل إن كنت سأعيش حتى الصباح التالي الحقيقة هي أنك كنت الضوء الوحيد الذي لم ينطفئ في ذاكرتي حتى وأنا بعيدة لكن كان هناك شيء واحد شيء واحد فقط لا بد أن أعيده لك قبل أن أستطيع المضي قدما وقبل أن أسمح لنفسي أن أبدأ حياة جديدة دون أن أثقلها بالذنب
توقفت لحظة عن القراءة شعرت بثقل الظرف بين يدي وكأنه لم يعد مجرد ورق بل سنوات كاملة من الأسئلة والانتظار والخذلان والحنين تتجمع في كفي
داخل الظرف إلى جانب الرسالة كانت هناك ورقة رمادية
أخرى لمستها بأطراف أصابعي قبل أن أفتحها كأنني أخشى أن تكون وهما أو أن تختفي إن ترددت لحظة واحدة
فتحتها
كان شيكا
رقم واضح ثابت لا يحتمل التأويل
ثمانون ألف يورو
لم