اتصل بي حفيدي في الخامسة صباحًا وقال: جدّتي لا ترتدي معطفك الأحمر اليوم.

لمحة نيوز

اتصل بي حفيدي في الخامسة صباحا وقال
جدتي لا ترتدي معطفك الأحمر اليوم.
سألته لماذا فقال بصوت مرتجف
ستفهمين قريبا.
وعند التاسعة صباحا حين خرجت لألحق بالحافلة ورأيت الحشد المتجمع عند الموقف فهمت أخيرا لماذا وانقبض قلبي بقوة.
مع بداية ظهور ضوء الصباح الشاحب فوق حقول القمح خلف منزلي القديم كنت قد أعدت تشغيل تلك المكالمة في رأسي أكثر من مرة.
في الثالثة والستين من عمري لم أكن أنام كثيرا لكن تلك الليلة لم يكن السبب هو العمر بل الخوف.
حفيدي لا يتصل بي أبدا في الخامسة صباحا.
لا في أيام المدرسة ولا في عطلات نهاية الأسبوع ولا حتى خلال امتحاناته في كلية المجتمع في البلدة.
حين ظهر اسمه على شاشة هاتفي ظننت أن حادثا وقع على الطريق السريع أو في الجامعة أو ربما مع والديه.
لكن بدلا من ذلك
كان يتوسل إلي ألا أرتدي معطفي.
وفي أثناء كلامه نظرت إلى باب المنزل حيث كان معطفي الشتوي الأحمر معلقا كعادته.
اشتريته قبل ثلاثة فصول شتاء أثناء رحلة إلى مدينة بيلينغز لأن البائعة قالت إنه مناسب تماما لشتاء مونتانا ولأن اللون الأحمر الساطع يظهر بوضوح في الثلج.
هنا في طرقات المقاطعة الريفية الظهور ليس مسألة موضة بل مسألة أمان.
الجميع يعرف ذلك المعطف.
سائق الحافلة الريفية التي أستقلها مرتين أسبوعيا.
النادلة في المطعم الصغير التي تملأ فنجاني دون أن أسأل.
حتى رجال الشرطة الذين يمرون بدورياتهم أمام مزرعتي.
ربما لهذا سبب لي تحذيره كل هذا الارتباك.
قال لي بصوت خافت
جدتي أرجوك. أي شيء إلا المعطف الأحمر. فقط اليوم.
ولم يخبرني لماذا.
كان صوته يرتجف كأنه يقف في مكان لا ينبغي أن يكون فيه أو يتحدث وهو ينظر خلفه.
كل ما قاله كان
ستفهمين قريبا.
ثم انقطع الاتصال.
عند التاسعة بعد أن بدأ الصقيع يذوب من فوق الحقول قفلت باب البيت

وضعت بطاقة الحافلة في جيبي وارتديت معطفي البني القديم المعطف الذي أستعمله لأعمال الحظيرة وليس للذهاب إلى المدينة.
كان الطريق في الممر الحصوي يبدو أطول من المعتاد.
الجبال في الأفق كما هي والعلم الصغير فوق مكتب البريد كما هو لكن الهواء في مقاطعتنا الصغيرة كان غريبا كأن الصباح كله يحبس أنفاسه.
توقعت أن أرى الحافلة قادمة كعادتها.
لكن بدلا منها رأيت أضواء وامضة.
سيارتان للشرطة.
سيارة مدنية.
إسعاف وأضواؤه مشتعلة دون صفارة.
شريط أصفر يطوق المظلة المعدنية الصغيرة التي أقف عندها عادة لانتظار الحافلة.
بعض أهل البلدة كانوا واقفين هناك جارتي من المزرعة المجاورة معلمة من المدرسة مدير متجر الأدوات
كلهم التفتوا إلي.
وانخفضت أصواتهم فجأة كما يفعل الناس عندما يخافون مما قد يسمعونه.
تقدم الشريف برينان نحوي أعرفه منذ كان طفلا نحيلا يلعب في فريق البيسبول لكن التعبير في وجهه ذلك اليوم لم أره من قبل.
قال لي بهدوء
ألكسيا توقفي عند هذا الحد.
توقفت.
ومن مكاني رأيت زاوية شيء ما على الأرض قرب المظلة مغطى بملاءة بيضاء محاط بعلامات مرقمة وآثار خطوات دقيقة.
منظر لا تراه في مقاطعتنا الهادئة إلا إذا حدث شيء سيئ جدا.
قلت بصوت مخنوق
شريف ما الذي يحدث ولماذا تنظر إلي هكذا
تردد قليلا ثم قال بصوت منخفض
قبل أن أشرح علي أن أسألك سؤالا واحدا.
هل تلقيت مكالمة هذا الصباح
من أحد أفراد عائلتك
ربما من حفيدك
وفي تلك اللحظة وأنا أقف على جانب طريق ريفي هادئ في مونتانا والبرد يخترق معطفي أدركت أن الأمر لم يكن مجرد حادث عند موقف الحافلة
بل كان مرتبطا بتلك المكالمة في الخامسة صباحا
وبالمعطف الأحمر المعلق
توم ماذا حدث
أنا بحاجة للحاق بالحافلة.
لن تكون هناك حافلة هذا الصباح يا أليكسا.
كان وجهه جادا والخطوط حول عينيه أعمق مما
كنت أتذكر. لقد ذهبنا إلى المدرسة الثانوية معا في ريد لودج قبل أكثر من خمسة وأربعين عاما. كان يلعب في فريق كرة القدم وكنت أنا الفتاة التي تعمل ورديتين في المقهى بجانب الطريق السريع 212 أعود إلى البيت دائما برائحة الزيت والقهوة.
حدثت واقعة.
أي نوع من الوقائع
تردد قليلا ونظر خلفه نحو رجال التحقيق الجنائي يتحركون حول المأوى.
انحنى أحد أفراد شرطة الولاية ليلتقط صورا لشيء على الأرض. نائب آخر يمد شريط التحذير يتطاير طرفه في الريح.
تم العثور على جثة هنا هذا الصباح. حوالي السادسة.
اهتزت الأرض تحت قدمي.
جثة
من
لم نحدد هويتها بعد لكن أليكسا.
توقف وعيناه تبحثان عن عيني كأن الكلمات نفسها مصنوعة من زجاج وقد تجرحنا معا.
كانت ترتدي معطفا أحمر. أحمر كرزي.
تماما مثل معطفك.
ارتخت ركبتاي. اختلطت الحافة العشبية والخندق والطريق في بقعة واحدة أمام عيني.
أمسك توم بمرفقي ثابتا إياي.
هل أنت بخير لقد شحب وجهك.
أ أنا بحاجة للجلوس.
قادني إلى سيارته الدورية وساعدني على الجلوس في المقعد الأمامي.
كان الجلد باردا على ساقي. من خلال الزجاج الأمامي رأيتهم يلتقطون صورا لشيء قرب المأوى شكل مغطى بقماش أبيض. هبت الريح فرفعت طرف الغطاء لحظة قصيرة قصيرة بما يكفي لأرى لمحة من اللون الأحمر أسفله.
توم همست.
داني اتصل بي هذا الصباح عند الخامسة.
قال لي ألا أرتدي معطفي الأحمر اليوم.
تغير تعبير الشريف فورا من جار قلق إلى رجل قانون بكامل جديته.
اعتدل في جلسته وتحول ذلك الدفء الريفي الذي عرفته فيه منذ السبعينيات إلى شيء صلب شيء لا أراه منه إلا في الحوادث الخطيرة بعد اصطدامات الطرق أو المشاجرات القاتلة.
اتصل بك حفيدك
ماذا قال بالضبط
كررت المكالمة كلمة بكلمة. أخرج دفتر ملاحظاته وبدأ يكتب بسرعة والقلم يصدر خشخشة جافة فوق الورق.

أين داني الآن
لا أعرف. لم يقل.
كان كان خائفا جدا.
ومتى كانت آخر مرة رأيته فيها
على العشاء يوم الأحد. قبل ثلاثة أيام. كان بخير وقتها.
طبيعي.
لكن الكلمات بدت ضعيفة خاوية.
لأنني حتى وأنا أقولها كنت أشك.
هل بدا طبيعيا فعلا
أم كنت مشغولة بفوضى العائلة اليومية لدرجة أنني لم ألاحظ
عشاء الأحد في المزرعة كان تقليدا حافظت عليه ثلاثين سنة. لحم مشوي أو ميتلوف أو دجاج مقلي حسب ما يكون معروضا في ألبرتسونز.
بطاطس مهروسة باليد فاصوليا من المجمد جنيتها وخزنتها بنفسي لفائف مخبوزة إن كان لدي وقت أو جاهزة إن كنت مرهقة.
كان ابني روبرت وزوجته فانيسا وداني يأتون دائما.
في مقاطعة تتباعد فيها البيوت أميالا وتطول فيها الشتاءات كانت تلك الوجبات مرساتي.
لكن في الآونة الأخيرة كانت متوترة.
فانيسا تضغط علي لأبيع المزرعة. لتنتقل إلى مجتمع تقاعدي في المدينة بالقرب من المستشفى والمتاجر الكبيرة.
أحضرت منشورات بصور لزوجين رماديي الشعر يبتسمان عند حفلة شواء حدائق مثالية غرف رياضية نشرتها على طاولتي كأنها صفقة عقارية لا وجبة عائلية.
أمي أنت تكبرين في السن قال روبرت يردد كلمات زوجته وعيناه تهربان من عيني.
هذا المكان كبير عليك.
لكن المكان لم يكن كبيرا. كان حياتي.
كل غرفة تحمل ذكرى لفرانك لسنوات تربية روبرت لصيفيات كان داني يركض فيها بين الحقول يطارد اليراعات بينما تغرب الشمس خلف جبال بيرتوث ويرش المرشات الماء في العشب.
فكرة تركه كانت تجعلني مريضة كأن حجرا يستقر في معدتي.
السيدة فوستر.
اقتربت محققة شابة.
امرأة بعيون حادة وشعر داكن مشدود إلى الخلف ترتدي باركا داكنة فوق شارتها وسلاحها.
أنا المحققة روكسان ميرك من مكتب الشريف.
جلست بجانبي داخل السيارة بحرص.
أفهم أن حفيدك ربما يملك معلومات حول هذه الحادثة.
شرحت لها مجددا
عن اتصال داني.
تبادلت النظرات مع توم نظرة واحدة حملت حديثا كاملا.
نحن بحاجة للتحدث مع داني في أقرب وقت ممكن.
قالت
تم نسخ الرابط