المرأة التي طردوها من حياتهم بعد الولاده
ساد صمت كثيف في غرفة المستشفى صمت من النوع الذي لا يسبقه شيء ولا يلحقه شيء صمت يشبه الفراغ تماما. لم يكن في الغرفة إلا صوت جهاز مراقبة نبضات القلب وهو يلتقط أنفاس المولودة الجديدة وصوت تنفس صوفيا المتعب المتقطع مثل امرأة خرجت من معركة طويلة لا من عملية ولادة فقط.
كان جسدها مرهقا شعرها مبتلا بالعرق عيناها نصف مغلقتين من التعب.
لكن بين ذراعيها كانت الحياة.
طفلة صغيرة جسدها دافئ مثل قطعة ضوء وصوتها الضعيف يخرج كالهمس حين تتحرك.
كانت صوفيا تشعر أن روحها كلها قد ذابت داخل هذا الجسد الصغير.
همست لها بصوت مخنوق
مرحبا صغيرتي يا قطعة قلبي يا بداية كل شيء.
كانت تلك لحظة مقدسة لحظة تختلط فيها براءة الحياة بألمها لحظة تشعر فيها الأم بأنها أضعف مخلوق وفي الوقت نفسه أقوى ما يمكن أن يكون.
لكن الباب انفتح
وانفتح معه الجحيم.
دخلت فيكتوريا أولا.
خطواتها كانت حادة كأنها تمشي فوق الأرض لا عليها.
نظرتها كانت
توقفت عند طرف السرير حدقت بصوفيا طويلا حدقت فيها كما لو أنها عقبة لا امرأة أنهت للتو ميلاد طفل.
قالت بصوت مرتفع قليلا يحمل فائضا من الكراهية
حتى في أسوأ حالتك ما زلت بارعة في جلب المتاعب. لم تتغيري.
كانت الكلمات مثل حجارة ترمى على صدر امرأة لم يخرج من جسدها سوى دقائق.
ولم تكن فيكتوريا وحدها.
دخل خلفها رجال العائلة ثم زوجها إدوارد الذي بدا وكأنه يساق إلى هذا المكان رغما عنه.
كان يقف على الهامش عاجزا كأن جسده هنا وروحه معلقة في خوفه من أمه.
رفعت صوفيا رأسها بصعوبة جسمها يؤلمها بطريقة لم تشعر بها في حياتها.
سألت بصوت خافت
ما الذي يحدث لماذا أنتم هنا جميعا
اقتربت فيكتوريا خطوة جلست على الكرسي ووضعت ساقا فوق الأخرى ثم قالت بأعلى مستوى من الاحتقار
جئنا لإنهاء شيء وتأخر كثيرا.
مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت ملفا كبيرا.
فتحته
ودفعت به نحو صوفيا.
أوراق.
كثيرة.
متكدسة.
موضوعة بعناية كأنهم حضروا هذه اللحظة منذ زمن.
قالت فيكتوريا
هذه أوراق الطلاق. سننهي كل شيء اليوم. وقعي فورا.
شهقت صوفيا دون وعي.
لم تكن هذه الكلمات مجرد صدمة بل خنجرا مغروسا في لحظة ضعف لا تشبه أي ضعف آخر.
رفعت عينيها نحو زوجها.
قالت بصوت مكسور
إدوارد هل تعرف شيئا عن هذا
كان إدوارد ينظر إلى الأرض.
يركز على بلاطة واحدة في الغرفة كأنه يبحث فيها عن مخرج.
ثم رفع رأسه ببطء وقال بصوت خافت
صوفيا ماما فقط تريد أن نرتب الأمور. إنها إنها ترى أنك غير مناسبة.
ضحكت فيكتوريا ضحكة قصيرة ساخرة
بل قولي غير نافعة. لا فائدة منك. دخلت عائلتنا بلا مال بلا نفوذ بلا شيء. والآن لديك طفلة لن تتمكني من تربيتها وحدك. من الأفضل أن توقعي وتنتهي المسألة.
شعرت صوفيا بأن شيئا في صدرها انكسر.
ليست هي بل إحساسها بالأمان.
إحساسها بأن البيت الذي دخلته كان منزلا.
كانت طفلتها تتحرك دفاءة وصغيرة كأنها تشعر بتوتر أمها.
ضمتها
قالت بصوت مرتعش
أنتم تختارون هذه اللحظة بعد ولادتي مباشرة
اقتربت فيكتوريا منها فجأة.
أسندت كفيها على حافة السرير وانحنت قليلا حتى صار وجهها قريبا من وجه صوفيا.
قالت ببرود مرعب
نعم. لأنك الآن أضعف.
ارتجفت صوفيا من الداخل.
تذكرت طفولتها وحدتها السنوات التي بنت فيها نفسها من دون الاعتماد على أحد.
لكن ذلك الصوت الداخلي ذاك الضعف كان يوشك أن يجرها إلى انهيار.
فجأة
صدر صوت بكاء.
بكاء صغير رقيق لطفلتها.
صوت صغير لكنه كان كفيلا بتحويل الضعف إلى غضب.
إلى قوة.
إلى شيء يشبه الشرارة التي تولد منها الحرائق.
مسحت صوفيا دموعها.
رفعت رأسها.
نظرت إلى فيكتوريا مباشرة.
قالت بصوت ثابت على نحو غريب
لن أوقع.
بدت المفاجأة واضحة على ملامح الجميع.
أما فيكتوريا فقد انفجر وجهها غضبا
أنت لا تملكين خيار الرفض! أنت بلا مكانة! بلا مال! بلا أهل! من سيحميك من سيدافع عنك
رفعت