حكايةاليوم الذي أكتشفت فيه أنني حامل

لمحة نيوز


اقترب وقال بحزم
مش أنت اللي عملتي شي. هي اللي اختارت الطريق هذا. وأنا اخترت أخيرا ما أظل واقف بالنص. طول عمري أعيش بين رضاها وبين سعادتي واليوم فهمت إن رضى الأم الحقيقي ما يجي من خراب حياة ولدها.
مرت لحظة صمت ثم ضحك ضحكة قصيرة
وبعدين أختي وقفت معي. قالت لها لو ما تقبلتي حفيدك أنا أقبله. أنا مو وحدي في الحرب هذه.
كنت أراه الآن ليس فقط كحبيب بل كأب ورجل قرر أخيرا أن يكون مسؤولا عن قراراته.
بعد أسبوعين خرجت من المستشفى.
بطن طفلي أصبح أنعم وبكاؤه أصبح أقوى وعيناه بدأت تفتحان قليلا.
كان يحمل ملامح صغيرة مني ومنه.
شعره الأسود الخفيف أنفه الصغير شفته السفلى التي تنطبق بطريقة تذكرني بأرجون وهو نائم.
استأجر أرجون شقة صغيرة قريبة من المستشفى في البداية حتى ننهي فحوصات الطفل ومراجعته.
الشقة لم تكن فاخرة لكنها كانت دافئة.
جدرانها عادية لكن وجود سرير صغير في منتصف الغرفة الأولى جعل كل شيء فيها يبدو مختلفا.
في أول ليلة لنا هناك كنت أجلس على السرير أحمل الطفل على صدري وهو يمشي في الغرفة ذهابا وإيابا مرتبكا كما لو أنه يخاف أن يلمس شيئا ويكسره.
قلت له بابتسامة
اجلس ترا مو في متحف.
ضحك بخجل وجلس على الأرض أمام السرير يسند ظهره إلى الجدار ثم مد يديه
أقدر أشيله
نظرت إليه بترقب ثم ناولته الطفل بحذر.
كانت تلك اللحظة من أغرب اللحظات.
 جدا وعيناه لا تبتعدان عن وجهه حتى للحظة.
قال بصوت منخفض جدا وهو يكلم الطفل كأنه يفهم
أنا آسف جيت متأخر. بس بوعدك ما أتاخر مرة ثانية.
ثم رفع رأسه ونظر إلي
تعرفين لو كان فيه يوم لازم أشكر فيه أمي فهو اليوم اللي قررت فيه تخليني أختبر الحياة بدونك. لأن اللي عشته وأنا أدور عليك علمني قيمة وجودك. علمني قيمة كلمة عائلة.
مرت الأيام ببطء وجمال غريب.
لم تكن حياتنا مثالية.
الطفل كان يبكي في أوقات غريبة.
المال لم

يكن وفيرا.
مستقبلي المهني كان مجهولا ومستقبله هو كان مرتبطا بتعب أرجون الذي كان يعمل في عيادته بدوام طويل ثم يعود ليسهر معنا.
لكن رغم كل هذا
كنت أنام وأنا أشعر أنني لست وحدي.
أستيقظ في الليل فأجد أرجون يحمل الطفل ويهدهده يغني له أغنية قديمة سمعها من جدته رغم أنه كان يضحك دائما عندما أخبره أن صوته سيئ.
وفي يوم من الأيام وبعد أشهر من ولادة أرجون الصغير حدث ما لم أتوقعه.
رن جرس الباب.
كنت أظن أن أحد الجيران جاء يطرق بابنا أو عاملة التوصيل.
لكن عندما فتح أرجون الباب تجمد.
وقفت خلفه أحمل ابني رأيت من فوق كتفه امرأة واقفة على العتبة.
شعرها مرتب بعناية ساري أنيق نظرة متعالية أعرفها جيدا.
السيدة شاليني.
والدة أرجون.
تجمد الزمن للحظة.
كأني عدت إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي أتت فيه إلى شقتي الأولى وضعت الحقيبة على الطاولة وقالت لي
خذي المال وابتعدي عن ابني.
لكن هذه المرة مكاننا مختلف وحالتي مختلفة  وأرجون واقف أمامها كجدار.
قالت بصوت حاولت أن تجعله هادئا لكن ارتجافه فضحها
أقدر أدخل
لم أتكلم.
أرجون لم يفتح لها الباب بالكامل بعد.
سألها ببرود لم أسمعه منه معها
جاية لي ولا لها
نظرت نحوي عينيها التقتا بعيني وأنا أحمل حفيدها.
لم تكن نظرتها هذه المرة فقط نظرة طبقية فيها شيء من الندم شيء من الخوف شيء من الاعتراف المتأخر.
قالت
جيت لكم أنتم الاثنين والثالث.
نظرت إلى الطفل.
أحسست أن أنفاسي تثقل.
فتح أرجون الباب قليلا أكثر لكنه لم يبتعد عن الإطار كأنه لا يزال يحرس حياتنا من الخارج.
قالت بخفوت
أعرف إن اللي سويته كان غلط. كنت خايفة عليك كنت أظن إني أحمي مستقبلك. كنت شايفة إنها أقل منك فقط لأنها جايه من مكان ثاني. بس لما اختفت اختفى نصفك معها. صرت أشوفك تموت قدامي وأنت عايش.
لم أصدق بسهولة.
كلماتها كانت مختلفة لكنها لا تمحو ما فعلته.
قالت
وهي تحاول أن تتمالك نفسها
لو ما تبغون تسامحوني أتفهم. بس أرجوك خليني على الأقل أشوف حفيدي.
لم أنطق.
نظرت إلى أرجون.
كان ينظر إليها طويلا كأن قلبه يراجع كل شيء طفولته معها قسوتها خوفها وأخطائها.
ثم التفت إلي كأن القرار لم يعد يخصه وحده.
سألني بنظرة لا بصوت
نسمح أو لا
نظرت إلى الطفل النائم بين ذراعي.
فكرت في المستقبل في اليوم الذي سيكبر فيه ويسأل عن جدته من جهة أبيه عن عائلته عن جذوره.
فكرت في كل شيء.
ثم هززت رأسي ببطء.
خليها تدخل بس مش عشانها هي. عشان ابننا.
تنفس أرجون بارتياح لم يخفه وفتح الباب بالكامل.
دخلت شاليني البيت أو بالأحرى دخلت حياتنا من جديد لكن هذه المرة لا كما كانت سابقا.
مشيت بخطوات مترددة عيناها معلقتان بالطفل.
وقفت أمامي لأول مرة وهي تتحدث لي بدون سخرية ولا احتقار.
قالت بصوت منخفض
هو يشبهك.
ثم نظرت إلى أرجون
وعينه عينك.
لم أعرف ماذا أقول.
كل ما فعلته هو أنني حركت الغطاء قليلا عن وجه ابني كأنني أقدمه للعالم لأول مرة للعائلة حتى لو كانت هذه العائلة مكسورة.
مدت يدها بخوف ثم توقفت في المنتصف
أقدر ألمسه
نظرت إلى أرجون ثم هززت رأسي
بهدوء هو ينام بسرعة بس يصحى بأصغر حركة.
ضحكت ضحكة صغيرة باهتة ثم لمست خده بأطراف أصابعها.
كان
هناك شيء في ملامحها يتغير شيء ينكسر شيء يعاد تشكيله.
في تلك اللحظة فهمت شيئا لم أفهمه يوم جاءتني بالحقيبة.
أحيانا يخاف الأهل بطريقة مؤذية.
يظنون أنهم يحافظون على أولادهم بينما هم يدمرونهم.
هي حاولت أن تشتري غيابي لكنها لم تكن تعرف أنها تشتري قبرا لابنها.
وعندما عرفت جاءت تمشي على جمر الندم حتى وصلت إلى بابنا.
لم أسامحها فورا.
الجرح كان عميقا جدا.
لكنني قررت أن لا أسمح لهذا الجرح أن ينتقل إلى ابننا.
جلسنا.
هي على الكرسي.
أرجون بجانبها.
أنا على الأريكة أحمل الطفل.
تحدثنا كثيرا تلك الليلة.
عن
الماضي.
عن مخاوفها.
عن غيابي.
عن بحث أرجون عني.
عن الليالي التي بكت فيها وهي تمسك بصورته رغم كبريائها.
وفي النهاية قالت جملة واحدة شعرت أنها لم تخرج بسهولة
لو تبغين أرجع لك فلوسك. الخمسة ملايين كاملة. ما عاد لها معنى عندي.
نظرت إليها ابتسمت بخفة وقلت
أنا صرفت جزء منها بس مو على نفسي. على طفلكم أنت وحفيدك أنت. فلا تقولي إنها كانت فلوسي أو فلوسك. هي كانت ثمن خوف وطلع أغلى مما يستحق.
مرت السنوات بعد ذلك ببطء جميل.
كبر أرجون الصغير تعلم المشي في ممر الشقة الصغيرة ثم في حديقة صغيرة خلف المبنى ثم في بيت أكبر انتقلنا إليه عندما تحسنت أوضاعنا.
تعلم أول كلمة لم تكن ماما ولا بابا بل كانت لا وكان يقولها وهو يضحك وهو يركض هاربا من ملعقته.
شاليني لم تعد تلك المرأة القاسية التي عرفتها أول مرة.
لم تصبح ملاكا فجأة كانت لا تزال تحمل بعض تعاليها وعنادها لكن وجود حفيدها جعلها تنظر للعالم بعين أخرى.
كانت تأتي أحيانا ومعها ألعاب وحلوى وتحاول أن تخفي حبها خلف تعليقات جافة لكنها تفشل كل مرة عندما يحملها الصغير من رقبتها ويقول
دادي ما! grandma
كلما نظرت إلى حياتنا اليوم أعود بذاكرتي إلى تلك اللحظة في المستشفى عندما سألتني الممرضة بخجل
مين بيدفع الفاتورة
لم أكن أعرف وقتها أن الإجابة ليست فقط شخص دفع.
بل شخص رجع.
شخص طلب فرصة ثانية وأنا أيضا طلبت.
وفي كل مرة أنظر إلى أرجون الصغير وهو يركض في البيت يقع ثم ينهض وهو يضحك يركض إلى أبيه ثم يعود 
أقول لنفسي
اليوم الذي اكتشفت فيه أنني حامل
والذي ظننته اليوم المشؤوم الذي دمر حياتي
كان في الحقيقة اليوم الذي بدأ يصنع حياتي الجديدة خطوة بخطوة دمعة بعد دمعة 
واليوم الذي جاءت فيه أمه بالحقيبة والمال
كان اليوم الذي ظننته قتل الحب
لكنه في الحقيقة أخفاه مؤقتا فقط لنعرف قيمته حين يعود.
وحين يسألني
أحدهم الآن
كيف تحملت كل هذا وحدك
أبتسم وأقول
ما تحملته وحدي كنت طول الوقت أشيل طفلي في بطني وأحمل معه حبه في قلبي. وإلا ما كنت وصلت لهنا.

تم نسخ الرابط