حكايةاليوم الذي أكتشفت فيه أنني حامل
عرفت إني هنا كيف لقيتني بعد كل هذا الوقت
تنهد بعمق كأنه يستعيد طريقا طويلا مشى فيه وحده.
بعد ما اعترفت أمي إنها راحت لك انقلبت الدنيا في وجهي. صرخت عليها لأول مرة في حياتي. طلعت من البيت وأنا ما أدري وين أروح. رحت لكل الأماكن اللي كنا نروح لها سوا سألت أصحاب الشقق اللي ممكن تستأجرين عندهم دخلت مستشفيات عيادات حتى محطات القطار. كل مرة كنت أشوف حامل تسير قدامي قلبي يطيح.
ابتلع ريقه كأن الكلام ثقيل.
وبالأمس وصلت اسمك من ملف في النظام. كنت الممرضات يتكلمون عن حالة ولادة مبكرة لواحدة اسمها أنجالي من كانبور. ركضت على طول. سألتهم إذا كان معها زوج أو أهل قالوا لا. عرفت إنها أنت.
شعرت أن قلبي ينكمش ثم يتسع كأن جزءا من الظلام الذي لف حياتي بدأ ينقشع.
سألته بصوت خافت
أنت شفت الطفل
هز رأسه نفيا
كل اللي عرفته إنه في الحاضنة وإنه بخير. رفضت أشوفه قبل ما أشوفك. حبيت أعرف إذا عندي حق أدخل في حياته.
رفعت يدي وأنا لا أصدق أنني من تفعل هذا ومددتها نحوه
تعال نشوفه سوا.
وقف بسرعة وكأن الأرض نفسها دفعته للوقوف.
اقترب مني وضع ذراعه خلف ظهري يساعدني على النهوض. شعرت بألم في بطني لكن يده كانت ثابتة دافئة مطمئنة.
خرجنا إلى الممر الضوء الأبيض القوي يملأ المكان أصوات خطوات الأطباء والممرضين تختلط بأصوات
وقفنا أمام الزجاج.
هناك بين الأسلاك الرفيعة والأجهزة الصغيرة كان طفلنا.
صغير جدا ملفوف ببطانية خفيفة عيناه مغمضتان صدره يتحرك بحركة خفيفة منتظمة ويده الصغيرة مرفوعة في الهواء كأنها تبحث عن شيء تتمسك به.
أحسست بأن روحي خرجت من جسدي واقتربت من ذلك الصندوق الزجاجي.
وضعت يدي على الزجاج وشعرت بحرارتي ترتد عن سطحه البارد.
ثم سمعت صوت أرجون يتمزق
يا الله
نظر إليه نظرة لا تشبه أي نظرة رأيتها منه من قبل نظرة رجل يرى قلبه خارج جسده للمرة الأولى.
مد يده هو أيضا وضعها بجانب يدي فوق الزجاج.
هذا هذا ابني
كان سؤاله طفوليا بشكل يقطع القلب.
التفت إليه ودموعي تنزل بهدوء
إيه ابننا.
لم يستطع منع دموعه هذه المرة.
سقطت دمعة واحدة تبعتها أخرى ثم أخرى ومسحها بسرعة كأنه يخجل ثم استسلم.
لم أره يبكي من قبل بهذا الشكل. لا في أصعب خلافاتنا ولا في أكثر أيامنا ألما.
همس وكأن الكلام ينتزع من قلبه انتزاعا
أنا آسف ما كنت موجود. آسف إنك دخلتي غرفة العمليات وحدك. آسف إنك خفتي وحدك. آسف إنك سمعتي كلمة مين بيدفع الفاتورة وما كان صوتي أنا اللي يرد.
اقتربت منه أكثر لست أدري من أعان من في تلك اللحظة.
هل هو الذي ساندني
أم أنا التي ساندته
قلت
المهم إني ما كنت وحدي وأنا أطلع هذه الروح للدنيا. كنت أفكر فيك طول الوقت. أصرخ باسمك جوا قلبي وأنا أوجع. أقول لو كان هنا كان مسك يدي وما تركني.
التفت إلي وفي عينيه شيء يشبه الوعد القديم الذي ضاع ثم عاد
أعدك من اليوم ما في وجع تمرين فيه وحدك.
بعد دقائق طويلة من الصمت الجميل والمؤلم في آن واحد عدنا إلى الغرفة.
في الطريق كان يمشي بجانبي ببطء يخشى أن يسبقني بخطوة كأن المسافة بيننا تحتاج أن تبنى من جديد خطوة بخطوة.
جلسنا على السرير.
هو على الحافة وأنا مسنودة على الوسادة.
أخرج القلم من جيب قميصه أخذ ورقة شهادة الميلاد التي تركتها الممرضة ووضعها بيننا.
اسم الطفل
قالها وهو ينظر إلي كأنه يدعوني أن أختار معه.
ضحكت بخفة بين دمعتين
كنت أفكر لو ولد أسميه أرجون. ولو بنت أسميها ميرا.
ابتسم ابتسامة صافية لأول مرة
الحمد لله ولد. تحبين يعيش طول عمره يسمع أمه تنادي أرجون ويطلع هو وإياه
ضحكت من قلبي هذه المرة لأول مرة منذ فترة طويلة جدا.
نقدر نختار له اسم ثاني بس
نظرت إليه وقلت
بس صراحة أحب اسم أرجون. مو عشانك بس عشان الذكريات اللي بينا تحت هالاسم.
أمسك القلم بيده التي لا تزال ترتجف قليلا وكتب ببطء
Arjun Verma.
عندما كتب Verma شعرت بأنني أوقع على شيء أكبر من شهادة ميلاد.
شعرت أننا
سكت هو لحظة ينظر إلى الاسم ثم قال بصوت منخفض
أنجالي أنا لازم أواجه أمي.
شد قلبي خوف قديم.
وماذا لو رفضت ماذا لو قالت لك تختار بيننا وبينها
نظر إلي بثبات لم أره منه بهذا الوضوح من قبل.
هي اختارت من قبل واختارت الغلط. أنا تعبت. تعبت أعيش بنص قلب ونص حياة. لو خيرتني اليوم أختار أنت وابني. حتى لو خسرت كل شيء.
تنهدت لم أكن أبحث عن بطولة في اللحظة تلك كنت أبحث عن صدق ووجدته.
مرت أيام قليلة وأنا لا أزال في المستشفى وجسدي يحاول أن يتعافى.
أرجون كان يأتي كل يوم في الصباح والمساء.
أحيانا يجلس بجانبي ويسكت أحيانا يقرأ أحيانا يمازح الممرضة وأحيانا يذهب ليقف لساعات أمام الحاضنة.
في أحد الأيام دخل ووجهه يحمل توترا مختلفا.
سألته فورا
صاير شي
جلس على الكرسي شبك يديه وقال
كلمت أمي.
تجمدت.
كل الخوف الذي حاولت دفنه عاد في لحظة.
وش قالت
تنهد طويلا ثم قال
في البداية صرخت. قالت إنك استغليتني وإنك رجعت بس بعد ما خلصتي فلوسها. قالت إن الطفل هذا ما له علاقة فينا. قالت كلام كثير جارح. أنا سكت شوية وبعدين قلت لها لو كان هذا رأيك
أنا آسف بس هذه آخر مكالمة بيننا.
تسارعت أنفاسي.
يعني يعني تركت بيتك
هز رأسه.
ما عاد حسيت إنه بيت. البيت الحقيقي اللي أنا أنتمي له فيه
سال الدمع من عيني دون إذن.
ما أبغى أكون سبب قطيعة بينك وبين أمك.