حين أطعم الفقيرُ ضيوفه قبل بناته

لمحة نيوز

عنوان القصة: حين أطعم الفقيرُ ضيوفه قبل بناته

كانت السماء في ذلك الصباح صافية كلوحٍ لم يُكتب عليه شيء بعد، حين خرج مروان مع صديقه يزيد وأخيه الأصغر رامي في سيارتهم القديمة قاصدين قرية بعيدة لزيارة رفيقهم المريض حسام. كانت الطريق طويلة تمتد بين سهول صفراء تلامس الأفق، والحرّ يزداد كلما ابتعدوا عن المدينة. ومع ذلك كان الثلاثة يملؤون السيارة ضحكًا وحديثًا عن ذكريات الجامعة.

قال رامي وهو ينظر عبر النافذة:
ــ كم ابتعدنا يا مروان؟ أشعر أنّنا عبرنا نصف البلاد.
ضحك مروان وقال:
ــ الصبر يا رجل، القرية خلف هذا الجبل، وحسام ينتظرنا.

وصلوا أخيرًا إلى بيت حسام في أطراف القرية، وكان منزلاً متواضعًا تحيط به شجرة توت كبيرة، وفي فناءه نافذة صغيرة ينبعث منها ضوء خافت. خرج حسام بوجه شاحب لكنه مبتسم، وقال وهو يفتح ذراعيه:
ــ أهلاً بكم، لقد اشتقت إليكم أكثر مما تظنون.

جلسوا معه، وقدم لهم الشاي

وخبزًا ساخنًا من تنور والدته، وتبادلوا حديثًا طويلًا ملأه الحنين. ومع بزوغ أول خيط من غروب الشمس، انقلب لون السماء إلى كحلٍ صامت، وقام الثلاثة يستعدون للعودة.

قال حسام بقلق ظاهر على ملامحه:
ــ أرجوكم ابقوا الليلة، الطريق وحشٌ إذا حلّ الظلام. ولن تجدوا من تسألونه في تلك المسالك.
لكن يزيد هز رأسه قائلاً:
ــ نمنا عندك مرة عندما كنا طلابًا، أما الآن فلكل منا التزامات. سنعود قبل أن يبتلع الليل الطرق.
ابتسم حسام رغم قلقه، ودّعهم وداعًا حارًا، وأوصاهم بالحذر.

ركب الثلاثة السيارة، وشقّوا طريقهم بين الحقول. وبعد ساعة بدأت الطريق تضيق وتتشعب، والظلام يزداد كثافة. قال رامي وهو ينظر إلى شاشة الهاتف:
ــ لا توجد إشارة… غريب، كأننا نسير في عالم بلا هواء.
رد مروان:
ــ دعنا نستمر قليلاً، ربما نصل إلى مكان أوضح.

مرّت عشر دقائق ثقيلة، وفجأة قال يزيد وهو يحدّق في الطريق الموحلة:
ــ مروان… هذه

ليست الطريق التي أتينا منها.
ضغط مروان على المكابح، فتوقفت السيارة وسط مساحة تتناثر فيها الأشجار. ساد الصمت برهة، ثم قال:
ــ لقد ضللنا الطريق، ولا نعرف الاتجاه الصحيح.

حاولوا الاتصال مرة أخرى، لكن الهواتف كانت صامتة كالحجارة.
قال رامي:
ــ لن نبقى هكذا، دعنا نتابع السير، لعلنا نرى بيتًا أو ضوءًا أو أي إنسان.

وبعد مسافة ليست قصيرة، لمحوا نورًا خافتًا ينزف من نافذة بيت صغير معزول.
هتف يزيد:
ــ الحمد لله، ها هو بيت… لعل أهله يرشدوننا.
قال رامي وهو يضع يده على بطنه:
ــ وأرجو أن يكون لديهم شيء نأكله، أشعر أنّ معدتي تلطم بعضها من الجوع.

اقتربوا من الباب الخشبي، وطرقه مروان ثلاث طرقات. فتح الباب رجل في منتصف العمر، نحيل الجسد، تبدو على وجهه ملامح تعب السنين، لكنه كان مبتسمًا ابتسامة تهزم الفقر.

قال مروان بأدب:
ــ عذرًا يا عم… لقد ضللنا الطريق، ونحن جياع ومتعبون، فهل عندك ما نأكله

وما يدلّنا على الطريق؟

لم ينتظر الرجل كثيرًا، بل فتح الباب على مصراعيه وقال:
ــ مرحبا بكم في بيتي، تفضلوا… الضيف ضوءٌ يدخل البيوت لا عبئًا.

دخل الثلاثة، فوجدوا غرفة صغيرة مفروشة بحصير مهترئ، ورائحة خبزٍ قديم تملأ المكان.
قال الرجل وهو يهرول نحو المطبخ:
ــ سأعد لكم شيئًا سريعًا، اجلسوا وارتحوا.

همس رامي في أذن يزيد:
ــ الرجل يبدو فقيرًا جدًا… هل نحرجه؟
أجابه يزيد:
ــ لا، دعنا نأكل لقيمات ونسأله عن الطريق ونغادر.

عاد الرجل بعد دقائق يحمل قدرًا نحاسيًا صغيرًا وقليلًا من الخبز. وضعه أمامهم وقال:
ــ تفضلوا… هذا ما عندنا، لكنه سيكون طيبًا ببركة حضوركم.
أكلوا بشهية، فقد كان الجوع أكبر من كل شيء.

بعد الطعام، جهّز لهم الرجل فرشًا بسيطة في غرفة ضيقة.
قال:
ــ ناموا هنا، وسأدلّكم في الصباح على الطريق الآمن.

وما إن خفت ضجيج الليل، حتى سمع الثلاثة بكاء طفلة صغيرة يأتي من الغرفة المجاورة…

بكاء خافت لكنه يخرق القلب.
قال يزيد بقلق:
ــ هل تسمعون؟
رد رامي:

تم نسخ الرابط