صفعت زوجة ابنها أمام الجميع

لمحة نيوز


إلى الكاتب العدل مع أمي وآنا. جلسنا على الطاولة نفسها التي جلس أبي عليها قبل أعوام وأثبتنا هناك ما اتفقنا عليه في البيت أن البيت لنا جميعا كما أراد أرتورو لا أحد يقصى ولا أحد يهان وأن آنا سيدة فيه وأن يدا ترتفع من غضب لا مسوغ له تعد مخالفة لوصية المالك وقلوب ساكنيه. وقعت أمي أولا ثم أنا ثم آنا. حين رفعت أمي رأسها وجدتني أنظر إليها بعينين رطبتين فضحكت وقالت كبرت يا بني. قلت كبرنا حين عرفنا أن الحب بلا عدل يصدأ.
عدنا إلى البيت عصرا وكان الضوء يميل على الجدران كما يميل رأس هادئ على كتف. جلست أمي تقص علينا حكايات من صباها لم تكن قد روتها من قبل كيف كانت تخاف الفقر أكثر من أي شيء آخر وكيف رأت أباها وهو يعود من الحقل خالي اليدين في ليلة ماطرة وكيف أقسمت ألا تسمح للفقر أن يخطف ابنتها أو ابنها. حين صارت هذه الحكايات كلمات لا تفزع بل تفسر فهمت أن شدتها كانت

ابنا شرعيا لذلك الخوف القديم. وضعت آنا يدها فوق يد أمي وقالت اليوم نفهم بعضنا أكثر. رفعت أمي يدها ومسحت على شعر آنا وقالت واليوم أحبك كما ينبغي أن تحب ابنة.
في ذكرى وفاة أبي التالية وقفنا عند المذبح معا. وضعت صورة أبي على الحامل الخشبي وأشعلت آنا شمعة صغيرة ووضعت أمي وردا أبيض وطبقا من الأرز. وقفنا دقيقة صمت. سمعت في رأسي ضحكته وهي تخترق سنوات الغياب كأنها تقول لي أحسنت. ثم عدنا إلى البيت وقد صار البيت لأول مرة منذ زمن يليق بكلمة البيت. في تلك الليلة حين أوغلت الساعة تركت النافذة نصف مفتوحة لينام الهواء معنا وقلت لآنا قبل أن نطفئ المصباح لا أعدك أن الحياة لن تتعثر ولكن أعدك أنني لن أتأخر ثانية عن اللحظة التي ينبغي أن أقف فيها معك. ابتسمت ومدت يدها تبحث عن يدي وعندما وجدتها نامت بسرعة لم أعرفها لها منذ زمن.
بعد أشهر رزقنا الله بطفلة تشبه آنا في عينيها
وأمي في عنادها الجميل. حملتها أمي بين ذراعيها بحنان لم أره فيها من قبل وقالت هذه حفيدتي ابنة ابنتي. ضحكنا. المائدة نفسها التي شهدت وثائق وخلافات صارت تشهد كعكة ميلاد وبالونات وردية. الأقارب الذين كانوا يتشمسون في حرائق البيوت جاؤوا لكنهم لم يجدوا لهيبا يدفيء كلامهم وجدوا بيتا هادئا فجلسوا وأكلوا وذهبوا. لم يعد عندهم مادة يلوكها اللسان فصار عندهم ما يريح القلب قصة بيت تصالح مع نفسه.
وفي ليلة متأخرة وأنا أسدل الستارة قليلا وأراقب ضوء الشارع يتخفف على البلاط سمعت همس آنا ماذا سحبت يومها من الخزانة غير الأوراق ابتسمت وقلت سحبت قلبي من خوفه. ضحكت وقالت وأنا سحبت ايماني منك. قلت والإيمان لا يسحب الإيمان يوهب حين نجد من نستند إليه فلا نقع. ساد صمت مريح ثم قالت أنا الآن لست معلمة مدرسة مجردة أنا امرأة لها بيت يحميها ورجل يراها وأم تحبها. قلت ونحن لسنا عائلة
كاملة كما يقول الناس نحن عائلة تتكامل كل يوم. وضعت ابنتنا الصغيرة كفها بين كفينا وهي نائمة كمن يختم على معاهدة بلا كلام وشعرت أن الوجع الذي عبرنا به صار طريقا مفروشا بذكريات تدخل الهواء النظيف إلى الرئة. أغمضت عيني وأنا أردد في قلبي وصية أبي التي لم تخب لا يهان في هذا البيت من دخل إليه آمنا. ومنذ تلك الليلة لم ترفع يد إلا لمصافحة ولم يرفع صوت إلا ليغني عيد ميلاد أو ليقرأ دعاء ولم تفتح خزانة إلا لتخرج حلوى أو بطانية دافئة. وحين أفكر في ذاك النهار الذي نزلت فيه الدرجات وفي يدي أوراقي أعرف أنني في الحقيقة نزلت وفي روحي قرار واحد فقط أن البيوت تبنى بالعدل والحب معا وأن الرجل الذي يحب أمه حقا لا يتركها تضل طريقها إلى قلبه والرجل الذي يحب زوجته حقا لا يتركها وحيدة في قلب بيت مزدحم. ومنذ ذلك القرار لم أعد أعيش بين حبين متعاديين بل عشت في حب واحد يتسع لنا جميعا.

 

تم نسخ الرابط