رجل المهمة المستحيلة الذى لا يعرفه أحد.. أحمد الغرباوى قاد موكب رمسيس من باب الحديد إلى المتحف المصرى الكبير..

لمحة نيوز

رجل المهمة المستحيلة الذى لا يعرفه أحد.. أحمد الغرباوى قاد موكب رمسيس من باب الحديد إلى المتحف المصرى الكبير.. وحمل على كتفيه 83 طنا من التاريخ متحديا المخاطر.. واستلهم الثبات من وجه الملك فهتف الأهالى باسمه
تسعة عشر عاما مضت على واحدة من أعظم اللحظات فى تاريخ الآثار المصرية الحديثة لحظة انتقال تمثال الفرعون المحارب رمسيس الثاني من ميدان باب الحديد رمسيس حاليا إلى موقعه الجديد أمام المتحف المصرى الكبير.
كان الحدث هندسيا جللا ومعقدا للغاية لكنه أيضا حكاية إنسانية فريدة عن رجل بسيط قاد بمهارة وهدوء موكب ملك عظيم وحمل على عاتقه مسؤولية أجيال من الحلم والفخر الوطني.
من ميت رهينة إلى قلب القاهرة
لم تكن تلك المرة الأولى التى ينتقل فيها التمثال الضخم فمنذ أن اكتشفه عالم الآثار الإيطالى جيوفانى باتيستا كافيجليا عام 1820 بالقرب من ميت رهينة بالجيزة وهو يقاوم السفر والاغتراب فكان هذا فى عهد الوالى محمد على باشا الذى حاول إهداءه إلى بريطانيا لكن الأخيرة رفضت بسبب وزنه الذى تجاوز 83 طنا فعجزوا عن نقله فظل فى مكانه قرابة 130 عاما مغطى بالطين والتراب ولا أحد يدرك قيمته الحقيقية.
حتى جاءت ثورة يوليو 1952 ومع قيام الجمهورية أراد الرئيس جمال عبد الناصر أن يبعث رسالة سياسية وحضارية للعالم تعيد لمصر مجدها القديم من خلال الملك رمسيس الثانى الذى عرف بال الفرعون المحارب فأصدر قرارا بنقل تمثاله إلى قلب العاصمة إلى ميدان باب الحديد الذى غير اسمه لاحقا ليحمل اسمه ويصبح ميدان رمسيس.
وفي هذا الوقت

أسندت المهمة الي الدكتور الفنان أحمد عثمان مؤسس كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية وأحد كبار النحاتين المصريين الذى تولي الإشراف الفني والهندسي على عملية الترميم والنقل الي الميدان وذلك من خلال مركبات هندسية او مقطورات شحن ثقيلة تابعة للجيش والتي نقلت أجزاء التمثال ثم بعد ذلك تم جمع أجزاءه الذراع القدم الرأس وتثبيتها بمواد حديثة وصممت له قاعدة خرسانية ضخمة ونجحوا في أن يقف التمثال لأول مرة شامخا في الميدان في واحدة من اهم وانجح عملية نقل أثر بهذا الحجم في تاريخ مصر الحديثة.
التلوث يهدد الفرعون
وعلى مدار أكثر من نصف قرن ظل رمسيس واقفا شامخا كما أراد له صاحبه الذى نحته من الجرانيت الوردى ليخلد مجده لكن التلوث البيئى والضوضاء والاهتزازات الناتجة من حركة السيارات إلى جانب التلوث البصرى الناتج عن الكبارى المحيطة جعلت فكرة نقله من جديد مطروحة منذ عام 1994 ورغم صعوبة الفكرة وتعقيدها استمرت النقاشات حتى وقع الاختيار على هضبة الأهرامات بجوار المتحف المصرى الكبير لتكون مقره الجديد.
فكرة مجنونة.. ونقل مستحيل
وفى عام 2004 أعلنت هيئة الآثار عن مناقصة لنقل التمثال وطرحت الحلول بين تفكيكه مجددا أو نقله أفقيا نائما لكن المهندس الدكتور أحمد محمد حسين أستاذ الهندسة بجامعة عين شمس فاجأ الجميع بفكرة بدت أقرب إلى المستحيل سينتقل التمثال واقفا.
اقترحت الفكرة داخل شركة المقاولون العرب بعد دراسة تحليل المخاطر واعتبرت فى البداية ضربا من الخيال كيف يمكن لتمثال وزنه أكثر من 83 طنا أن يصعد الكبارى ويهبط
المطبات دون أن يتحطم.. ولكن الدكتور حسين قدم حلا عبقريا أن يتم تثبيت التمثال داخل هيكل متحرك يسمح له بالتأرجح للحفاظ على مركز ثقله ومنع سقوطه رفضها الجميع فى البداية.
حتى جاء التحدى وشككت شركة فرنسية فى قدرة المصريين على تنفيذ المهمة فقرر الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك أن يصدر قرارا سياديا بنقل التمثال خلال أربعة أشهر وبالفعل تم تصنيع معدات خاصة والاستعانة بونش عملاق تصل سعته إلى 475 طنا وبنى مجسم تجريبى لاختبار عملية النقل الواقف وبدأت الاستعدادات لأعظم عملية نقل فى التاريخ المصرى الحديث.
اختيار رجل المهام الصعبة
وسط كل هذه الترتيبات الهندسية والعلمية كان هناك رجل واحد سيحمل على كتفيه ثقل القرون الماضية سائق الشاحنة التى ستنقل الملككان السؤال من يمكنه أن يتحمل هذه المسؤولية مصرى أم أجنبي إلى أن وقع الاختيار على الحاج أحمد الغرباوى ابن قرية الخوالد بمحافظة البحيرة والذى كان فى الخامسة والستين من عمره والذى قضى أكثر من أربعين عاما خلف عجلة القيادة دون أن يرتكب خطأ واحدا.
فقررت شركة نوسكو أن تسند إليه المهمة بدلا من السائق الألمانى ثقة فى خبرته وثباته وسمعته فى دقته وانضباطه.
بداية الرحلة
قبل أن يستعد السائق لبدء رحلته رفض الغرباوى التحرك قبل أن يجلس أمام التمثال لحظات طويلة يتأمل وجه الملك كأنه يستمد منه القوة ثم قال عبارته الشهيرة على بركة الله يا مولانا.
انطلقت الشاحنة الضخمة ذات ال عجلة تقطع 30 كيلومترا بسرعة لا تتجاوز 4 كيلومترات فى الساعة.
استغرقت الرحلة 11 ساعة من الخطر
والترقب وعندما مرت الشاحنة فوق أحد الجسور القديمة ورصدت أجهزة القياس اهتزازا بسيطا ظل الغرباوى ثابتا يضبط أنفاسه على إيقاع التاريخ حتى تجاوز الخطر وسط تصفيق الجميع.
البطل الذى لم يكرم
ولأن هذا الرجل البسيط الذى كتب اسمه فى سجل الأبطال بصمت وتواضع كانت عملية البحث عنه صعبة للغاية لكن إيمانا منا بدوره فى حماية تاريخنا كان لابد من سرد المقدمة السابقة وأن نلتقى به فى تلفزيون اليوم السابع بعد تسعة عشر عاما أى ما يقرب من عقدين لنعرف من هو وكواليس اختياره وكيف شعر فى تلك اللحظات.
لكن لم يحالفنا الحظ فى لقائه عندما ذهبنا إلى قريته الصغيرة قرية الخوالد التابعة لمركز إيتاى البارود بمحافظة البحيرة لأنه لقى ربه منذ سنوات وتحديدا فى عام 2011 ولم تتحقق أمنيته فى حضور هذا المشهد المهيب افتتاح المتحف المصرى الكبير حيث استقرار تمثال رمسيس الثانى الأخير.
ولأن الحكايات يرثها الأبناء التقينا بأسرة الحاج أحمد الغرباوى فى حوار خاص أجريته أنا هبة الشافعى تحكى أسرته كواليس اليوم الأصعب فى تاريخه وتاريخ مصر وتكشف كيف استعد لتلك المهمة الفريدة وماذا قال عندما كلف بقيادة الموكب وكيف عاش مشاعر الخوف والفخر فى أن واحد.
يا غرباوي يا غرباوي!
قال ناصر أحمد الغرباوى أن والده قاده القدر ليكون سائق موكب الملك فعلى الرغم من أنه اعتاد أن يسير فى طريقه دون ضجيج أو صخب إعلامى أو هتافات فإن الأمر اختلف تماما وهو يحمل رمسيس الثانى فقد هتف الجماهير باسمه لأول مرة فى حياته سمعهم وهو يقود الكساحة يهتفون يا غرباوي يا
غرباوي! لكنه لم يستطع أن ينظر
تم نسخ الرابط