رجل المهمة المستحيلة الذى لا يعرفه أحد.. أحمد الغرباوى قاد موكب رمسيس من باب الحديد إلى المتحف المصرى الكبير..

لمحة نيوز

إليهم أو يبادلهم التحية فمهمته الثقيلة تتطلب كل تركيزه ولا تدع له فرصة التفكير فى أى شيء خارجها.
وقال الغرباوى إن رحلته التاريخية لم تختلف عن أى رحلة قام بها على المستوى الفنى لكن الفارق الوحيد هو فى أهمية التمثال وقيمته فهو يحمل ملكا على شاحنته لأول مرة فى حياته لكنه رغم ذلك لم يخف ولم يرهبه الموقف لأنه لو خاف لما استطاع أن يؤدى المهمة بنجاح.
وأضاف صبرى الغرباوى ابن شقيقه أن الشركة التى كان يعمل بها أطلقت عليه لقب رجل المهام الصعبة فبرغم أنه بلغ سن المعاش وقتها فإن شركته تمسكت به لندرته فى مجاله إذ كان يسير بالشاحنة كأنه يقود دراجة يتحكم فيها كما يشاء.
وقف أمام التمثال وتحدث إليه قبل الرحيل حديثا خاصا بينهما وكان يسير بسرعة أربعة كيلومترات فى الساعة فى مشوار طوله ثلاثون كيلومترا وكان سائقا محترفا وكان من المفترض أن يقوم بالمهمة سائق ألمانى جاء مع الشاحنة لأنه هو من يعرف قيادتها لكن شركة نوسكو تحدت الجميع وأصرت على أن الحاج أحمد الغرباوى هو من يتولى هذه المهمة.
وأضح انه كان فخورا بالشاحنة التى كان يقودها إذ كانت ذات مواصفات خاصة لم يقد
مثلها من قبل لأنها صممت خصيصا لنقل تمثال رمسيس. ومع ذلك لم يهب الموقف واستطاع أن يقودها ببراعة شديدة وشعرنا بالفخر وكانت ردود الفعل عليه كبيرة وكان يجب أن يكرم لكنه لم يكرم من أحد. ووعد بقطعة أرض فى منطقة حوش عيسى لكنه لم يستطع الحصول عليها وكان ينتظر تكريما لم يتحقق.
وبعد النقل زار التمثال فى مقره الجديد وكان يشعر بفخر كبير وقال إنه عندما وصل التمثال إلى المتحف شعر براحة كبيرة لأنه أدى المهمة بنجاح.
أما ابنته أم كنزى الغرباوى وصفت المشهد بأنها كانت تشعر بالخوف الشديد عليه أثناء الرحلة لكنه كان دائما يطمئنهم وكان هو الاختيار الأول للشركة فكلما وجدت شاحنة كبيرة أو مهمة صعبة كانوا يستعينون به وقالوا إنهم كانوا يبكون أثناء الرحلة من القلق عليه وتمنوا لو كانوا معه وكانوا يتواصلون معه عبر الهاتف ومن شدة ثقته بنفسه كان يقول لهم إنه يستطيع أن يعود بالتمثال إلى الخلف مارشدير!.
وأضافت كان مبدأه فى الحياة البساطة ولم يحمل لها هما أو عبئا والمشوار الذى أدخله التاريخ كان بالنسبة له تميزا وفخرا كبيرا ولم يدرك يوما أنه سيكون جزءا من التاريخ وعندما
عاد قال إن سعادة الناس كانت تحمله مسؤولية أكبر وكان يرى فى الحدث احتفالا مثلهم لكنه شعر بأن فرحتهم زادته التزاما وثباتا.
المصرى أم الألماني
وأضافت ابنته انه قضى عمره على الطريق واختير بدل السائق الألمانى لجدارته لأن الألمانى لا يعرف شوارع مصر ولا طرقها وهو الأحق بأن يحمل تمثال بلده ويقوم بعمل شيء لمصر أكثر من الأجنبى ولم يقبل أن يقال أن الألمانى تفوق على المصرى فى القيادة.
وأوضحت أن أبناؤه يشعرون بالفخر بوالدهم ولم يتوقعوا أن يتذكره أحد بعد كل هذه السنين أو أن يشعر به أحد فقد كان أبو السواقين جميعا وكان يحب زملاءه جميعا.
وقال سامح الغرباوى ابن شقيقه الذى يعمل بالمهنة نفسها أن عمه رفض أن يكون معه مساعد لأنه كان واثقا فى نفسه ولم يرد أن يساعده أحد فى رحلة الساعات الإحدى عشرة. وكانت الشاحنة التى يقودها تضم 128 عجلة وهى مركبة صعبة القيادة لأنها مخصصة لحمل التمثال وما فعله كان فخرا له ولعائلته ولمحافظته البحيرة.
وعن أمنيته قبل الوفاة قالوا إنها كانت التكريم وأن يتذكره أحد لكنه توفى عام 2011 دون أن تتحقق أمنيته.
وأردنا أن نذهب إلى الجيل الجديد
فالتقينا إحدى حفيداته الطفلة كارما التى تبلغ من العمر تسع سنوات لنتعرف منها على ما تعرفه عن جدها أحمد الغرباوى وقيمته.
اقتصرت كلماتها الصغيرة على تعبير بسيط لكنه عميق إذ قالت إنها تشعر بالفخر بما فعله جدها وإنها تسعد كلما حكى لها والدها هذه القصة وقصصا أخرى عن عظمة جدها حامل الفرعون ووارث قوته وإخلاصه.
انتهت رحلتنا فى قرية الخوالد بعد أن عرفنا وعايشنا يوما فى هذه القرية التى أنجبت واحدا من أعظم أبنائها الرجل الذى كان جزءا من تخليد ذلك اليوم التاريخى وتحديدا فى الخامس والعشرين من أغسطس عام 2006 عندما كان قلب الشعب المصرى ينبض خوفا وفرحا فى أن واحد.
كان التمثال يتحرك على شاحنة ضخمة تضم 128 عجلة يسير ببطء شديد لا يتجاوز أربعة كيلومترات فى الساعة فى رحلة استغرقت أكثر من إحدى عشرة ساعة.
رحلة خلدت اسم الأسطى أحمد الغرباوى فى ذاكرة الوطن ليبقى شاهدا على أن البطولة لا تحتاج ألقابا بل تحتاج قلبا صادقا وعشقا لمصر فنقل تمثال رمسيس لم يكن مجرد حدث هندسى أو أثرى بل كان أيضا حكاية إنسانية عظيمة عن رجل بسيط صار بطلا فى يوم واحد حين قاد موكب ملك عظيم
إلى بيته الجديد.

تم نسخ الرابط