روحت الغابة

لمحة نيوز


هنا فعلًا.
رفعنا الصندوق الخشبي، ولاحظت إن فيه لوحًا صغيرًا تحت قاعدته بيتحرك.
شيلته، ولقيت تحته ظرفًا سميكًا مقفولًا بالشمع.
على الظرف كان مكتوب
يُفتح أمام إيميلي فقط، بعد إتمامها التاسعة عشرة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف.
جواه ورقتان.
الأولى كانت نسخة من سجل المستشفى، عليها أسماء الطفلين وتاريخ ميلادهما.
أما الورقة التانية، فكانت نتيجة فحص قديم، وتحتها توقيع سوزان.
قرأت أول سطر، وحسيت إن نفسي وقف.
لأن النتيجة كانت بتشير إلى إن فيه اختلافًا جوهريًا بين البيانات المسجلة للطفلتين، وإن مراجعة الهوية لسه ما اكتملتش.
لكن قبل ما أقدر أفهم باقي الكلام، أمي سحبت الورقة من إيدي، وبصت للتوقيع الموجود في آخرها.
وبصوت مبحوح قالت
دي مش إمضا سوزان... دي إمضا ماما!
أبويا قرب من الورقة، وبعد لحظات قال
يبقى جدتك هي اللي كانت عارفة مكان النسخة دي طول السنين.
وفجأة، سمعنا صوت ظرف بيتزحلق من بين صفحات الدفتر.
فتحته، ولقيت رسالة قصيرة بخط جدتي
يا إيميلي، لو وصلتي لهنا، يبقى الحقيقة قربت تظهر. لكن قبل ما تعرفي أي شيء عن الطفلة التانية، لازم تعرفي إن فيه شخصًا من العيلة كان بيحاول يوصل للحقيقة من أول يوم، وكل محاولاته اتوقفت لسبب واحد.
وتحت الرسالة كان فيه اسم مكتوب بخط واضح.
اسم أمي مارجريت.
رفعت عيني ليها، وقلت
ماما... إنتِ كنتِ عارفة كل ده من البداية؟
أمي ما ردتش.
لكنها فجأة بصت لأبويا وقالت جملة خلتني أحس إننا لسه ما عرفناش أخطر جزء في الحكاية
روبرت، لازم نحكيلها عن اللي حصل ليلة ما سوزان اختفت... وعن السبب اللي خلانا نقرر إن الملف ده يفضل مقفول كل السنين دي.
وبعدين فتحت الدفتر على صفحة أخيرة، كانت مطوية ومخفية بعناية.
ولما شفت التاريخ المكتوب عليها، فهمت إن اللي حصل ماكانش مجرد خطأ في مستشفى.
لأن التاريخ كان هو نفس يوم ولادتي بالضبط.
وفي أسفل الصفحة، كانت فيه جملة واحدة
تم العثور على الطفلة الثانية... لكن الشخص الذي استلمها رفض تسجيل اسمه.
مين الشخص اللي استلم الطفلة التانية؟ وليه رفض يسجل اسمه؟ 
يتبع...
النهاية الحقيقة اللي اتخبّت 19 سنة 
فضلت باصة للجملة المكتوبة في الدفتر، وأنا مش قادرة أستوعب معناها.
تم العثور على الطفلة الثانية... لكن الشخص الذي استلمها رفض تسجيل اسمه.
رفعت عيني لأمي وقلت
ماما، أنا مش هسيب البيت ده غير لما أعرف الحقيقة كلها. مين استلم الطفلة؟ وإيه علاقتي بكل اللي حصل؟
أمي قعدت على الكرسي، وبدأت تعيط.
وبعد صمت طويل، قالت
الشخص ده كان جدتك يا إيميلي... أم روبرت.
بصيت لأبويا بصدمة، لكنه هز راسه وقال
أيوه، أمي هي اللي استلمت الطفلة التانية من المستشفى، بعد ما حصلت مشكلة في تسجيل المواليد. لكنها ما كانتش بتحاول تأذي حد، كانت بتحاول تحمي طفلة صغيرة من إنها تضيع وسط الفوضى اللي حصلت.
أمي كملت كلامه
أختي سوزان اكتشفت إن فيه خطأ في تسجيل بيانات الطفلتين. واحدة منهم كانت بنتي أنا، والتانية بنت ست تانية اتوفت بعد الولادة. ولما حاولت تصلح الخطأ، اكتشفت إن الأوراق الأصلية اختفت، وإن مفيش حد قادر يثبت هوية كل طفلة بشكل قاطع.
سألتها وأنا بحبس دموعي
يعني ممكن أكون أنا الطفلة اللي اتسجلت بياناتها غلط؟
أبويا رد بهدوء
عشان كده عمرنا ما اعتمدنا على التخمين. كنا محتاجين السجلات الأصلية وفحص علمي يحدد الحقيقة.
سامويل، اللي كان واقف جنب الشباك، فتح الملف الأسود وطلع آخر ورقة.
قال
دي شهادة من المستشفى بتثبت إن الطفلتين اتولدوا في نفس الليلة، لكن السجلات القديمة لوحدها مش كفاية لتحديد هوية كل واحدة. الحل الوحيد إن العيلتين يوافقوا على فحص وراثي رسمي.
في اللحظة دي، فهمت إن كل السنين اللي فاتت كنا عايشين وسط أسئلة من غير إجابات، وإن محدش كان يقدر يحسم الحقيقة بمجرد الصور أو الأوراق القديمة.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد لازم أسأله.
بصيت لأمي وقلت
طب وخالي دانيال؟ هو مات فعلًا؟
أمي مسحت دموعها وقالت
بعد الحادث، حاولنا نوصل لكل المستندات الخاصة بيه، لكننا ما قدرناش. وكنا فاكرين إن القضية انتهت. أما الرسالة اللي وصلت للموبايل، فسامويل قدر يتتبع مصدرها بعدين، واكتشف إنها اتبعت من حساب قديم كان دانيال بيستخدمه، مش من هاتف شخص موجود قدامنا.
سامويل أكد كلامها، وقال إنه ما عندوش دليل يثبت إن دانيال لسه عايش، وإنهم ما ينفعش يعتبروا الرسالة دليلًا على رجوعه.
ورغم حزني، قررت إني ما أعيش بقية عمري أسيرة لأسئلة محدش قادر يجاوب عنها.
طلبنا مساعدة الجهات المختصة، واتراجع الملف القديم، واتواصلوا مع العيلة التانية عشان نقدر نعرف الحقيقة بطريقة قانونية وعلمية.
وبعد أسابيع من الانتظار، ظهرت نتيجة الفحص الوراثي.
اجتمعنا كلنا في بيت أمي وأبويا، وأنا ماسكة الظرف بإيد مرتعشة.
فتحته، وقرأت النتيجة مرة، واتنين، وتلاتة.
وبعدين رفعت عيني وقلت
أنا بنتكم فعلًا... يا ماما، يا بابا!
أمي انهارت في العياط، وأبويا حضني بقوة.
النتيجة أكدت إن روبرت ومارجريت هما والداي البيولوجيان، وإن الخطأ القديم كان في بعض بيانات الملف، مش في هويتي أو نسبتي لعيلتي.
أما الطفلة التانية، فاتضح إنها كبرت مع أسرتها، وكانت بياناتها محتاجة تصحيح في السجلات، من غير ما تكون عارفة أي حاجة عن اللي حصل يوم ولادتها.
بعدها عرفنا إن جدتي كانت احتفظت بالملف خوفًا من ضياعه، وإن خالي دانيال حاول يوصل للمستندات عشان يصلح الأخطاء ويحفظ حقوق كل عيلة، لكنه توفي فعلًا في الحادث، زي ما أثبتت السجلات الرسمية اللي راجعناها.
أما أمي، فاعترفت إنها كانت عارفة بوجود مشكلة في الملفات، لكنها ما كانتش تعرف الحقيقة كاملة، وخافت تتكلم من غير دليل وتظلم بنتها أو العيلة التانية.
في اليوم اللي اتقفل فيه الملف رسميًا، رجعت أنا وأبويا للغابة، ووقفنا عند الشجرة القديمة.
طلع العلبة الزرقا من شنطته، وحط جواها صورة خالي دانيال والرسالة اللي سابهالي.
وبعدين بصلي وقال
أنا آسف يا إيميلي إني خليتك تعيشي وسط كل الأسئلة دي. كنت فاكر إن السكوت هيحميكي، لكن الحقيقة إن السكوت زوّد خوفك.
مسكت إيده وقلتله
أنا مش زعلانة إنك كنت خايف عليّا، يا بابا. أنا زعلانة إننا ما اتكلمناش مع بعض من الأول.
حضني، وفضلنا واقفين شوية في هدوء.
ولأول مرة من شهور، حسيت إن الغابة مش مكان مليان أسرار مخيفة، لكنها مكان بدأت فيه حكاية طويلة، وانتهت فيه رحلة البحث عن الحقيقة.
أما أمي، فقررت تزور قبر أختها سوزان، وتحط جنب اسمها صورة العيلتين، مع رسالة صغيرة كتبت فيها
سامحيني يا سوزان. الحقيقة اتأخرت، لكنها وصلت أخيرًا.
ومن يومها، اتعلمت إن مش كل سر وراه جريمة، وإن الخوف ساعات بيخلّي الناس تسكت عن الحقيقة، حتى لو كان سكوتها بيوجع أقرب الناس ليها.
لكن أهم حاجة فهمتها في النهاية، إن العيلة مش مجرد أسماء مكتوبة في شهادة ميلاد؛ العيلة كمان ناس بتقف جنبك، وتصارحك، وتتحمل مسؤولية أخطائها مهما طال الزمن. 
تمت النهاية.

 

تم نسخ الرابط